الصفحة 42 من 138

فيقال لهذا الجاهل: إن كنت تعرف، أن الإله، هو: المعبود؛ وتعرف: أن الدعاء من العبادة؛ فكيف تدعو مخلوقًا، ميتًا، عاجزًا؟! وتترك: الحي، القّيوم، الحاضر، الرؤف، الرحيم، القدير؟! فقد يقول ـ هذا المشرك [1] ـ إن الأمر بيد الله، ولكن هذا العبد الصالح، يشفع لي عند الله، وتنفعني شفاعته، وجاهه؛ ويظن أن ذلك: يسلمه من الشرك.

فيقال لهذا الجاهل: المشركون، عباد الأصنام، الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وغنم أموالهم، وأبناءهم، ونساءهم، كلهم يعتقدون: أن الله هو النافع، الضار، الذي يدبر الأمر، وإنما أرادوا: ما أردت، من الشفاعة عند الله اهـ.

وزاد ابن القيم رحمه الله في: البدائع؛ عبادات أخرى كالإكرام والإجلال فقال: والإله، هو: الذي تألهه القلوب، محبة وإجلالا، وإنابة، وإكراما؛ وتعظيمًا، وذلا، وخضوعًا، وخوفًا ورجاء، وتوكلا عليه، وسؤال منه، ودعاء له، لا يصلح ذلك كله إلا لله؛ فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور، التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحًا في إخلاصه، في قوله: لا إله إلا الله؛ وكان فيه من عبودية المخلوق، بحسب مافيه من ذلك اهـ.

وزاد الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن رحمه الله كالطواف والتقوى في الدرر 1/ 521 فقال: وهذه العبادات التي صرفها المشركون لألهتهم هي أفعال العباد الصادرة منه كالحب والخضوع الإنابة والتوكل والدعاء والاستعانة والاستغاثة والخوف والرجاء والنسك والتقوى والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلق القلوب والآمال بفيضه ومده وإحسانه وكرمه فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلّها بل هي لبّ سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها وكل عمل يخلو منها فهو خداج مرود علي صاحبها اهـ.

فصل

أما تعريف العبادة فهي: قال الشيخ عبد الله ابا بطين في الدرر 2/ 289 أما العبادة في اللغة، فهي: من الذل؛ يقال؛ بعير معبد، أي: مذلل، وطريق معبد، إذ كان مذللًا، وقد وطأته الأقدام، وكذلك الدين أيضًا، من الذل، يقال دنته، فدان، أي: ذللته، فذل؛ وأما تعريفها في الشرع، فقد اختلفت عباراتهم، في تعريفها، والمعنى واحد. فعرفها طائفة بقولهم، هي: ما أمر به شرعًا، من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي؛ وعرفها طائفة بأنها: كمال الحب مع كمال الخضوع؛ وقال أبو العباس، رحمه الله تعالى: هي اسم جامع، لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الباطنة، والظاهرة فالصلاة، والزكاة، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار، والمنافقين، والإحسان إلى الجار، واليتيم، والمسكين، والمملوك، من الآدميين، والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك، من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمته، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك؛ فالدين كله داخل في العبادة انتهى.

(1) ـ هنا سماه مشركا مع أنه أخبر في أول الكلام أنه جاهل. فدل على أن الجهل ليس مانعا في مسمى الشرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت