الصفحة 50 من 138

عباده، خاصًا بأناس كانوا فبانوا؟ والناس بعد أولئك القرون قد صلحوا؟ أم كان الشرك؟

وقال بعد كلام: يبين لكم كلمة الإخلاص:"لا إله إلا الله"ولا يصح لأحد إسلام، إلا بمعرفة ما دلت عليه هذه الكلمة، من نفي الشرك في العبادة، والبراءة منه، وممن فعله، ومعاداته، وإخلاص العبادة لله وحده، لا شريك له؛ والموالاة في ذلك

م ـ إلى أن قال: (ألا تعبدوا إلا الله) وهذه الآية، وما في معناها: تتضمن النهي عن الشرك في العبادة، والبراءة منه، ومن المشركين، من الرافضة وغيرهم؛ والقرآن من أوله إلى آخره: يقرر هذا الأصل العظيم، فلا غناء لأحد عن معرفته، والعمل به ....

ن ـ إلى أن قال: وأخبر تعالى: عن هدهد سليمان، أنه أنكر الشرك، وهو: طائر من جملة الطير، قال تعالى: (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون، ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض) الآية.

فحدث الهدهد، سليمان عليه السلام، بما رآهم يفعلونه، من السجود لغير الله؛ والسجود نوع من أنواع العبادة، فليت أكثر الناس عرفوا من الشرك، ما عرف الهدهد؛ فأنكروه، وعرفوا الإخلاص فالتزموه؛ وبالله التوفيق اهـ

س ـ قال ابا بطين في معنى البراءة وأهميتها في الدرر 2/ 292 فإن قيل: ما معنى النفي في قوله سبحانه: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) قيل: إنما نفى عنهم، الاسم الدال على الوصف، والثبوت؛ ولم ينف وجود الفعل، الدال على الحدوث، والتجدد؛ وقد نبه ابن القيم، رحمه الله تعالى، على هذا المعنى اللطيف، في بدائع الفوائد، فقال: لما انجر كلامه على سورة (قل يا أيها الكافرون) وأما المسألة الرابعة، وهو أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل، وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارة، وباسم الفاعل أخرى.

وذلك - والله أعلم - لحكمة بديعة، وهي: أن المقصود الأعظم، براءته من معبوديهم، بكل وجه، وفي كل وقت؛ فأتى أولًا، بصيغة الفعل، الدالة على الحدوث، والتجدد؛ ثم أتى في هذا النفي، بعينه، بصيغة اسم الفاعل، الدالة على الوصف، والثبوت؛ فأفاد في النفي الأول: أن هذا لا يقع مني؛ وأفاد في الثاني أن هذا ليس وصفي، ولا شأني، فكأنه قال: عبادة غير الله، لا تكون فعلًا لي، ولا وصفًا فأتى بنفيين، لمنفيين، مقصودين بالنفي.

وأما في حقهم، فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف، والثبوت، دون الفعل؛ أي: الوصف الثابت، اللازم للعابد لله، منتف عنكم، فليس هذا الوصف، ثابتًا لكم، وإنما يثبت لمن خص الله وحده بالعبادة، لم يشرك معه فيها أحدًا؛ وأنتم لما عبدتم غيره، فلستم من عابديه، وإن عبدتموه في بعض الأحيان، فإن المشرك: يعبد الله، ويعبد معه غيره، فهم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره، لم ينف عنهم الفعل، لوقوعه منهم، ونفي الوصف، لأن من عبد غير الله، لم يكن ثابتًا على عبادة الله، موصوفا ًبها. فتأمل: هذه النكتة البديعة، كيف تجد في طيها: أنه لا يوصف بأنه عابد لله، وإن عبده، ولا المستقيم على عبادته، إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا، لم يلتفت إلى غيره،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت