فهرس الكتاب
قضى ذلك الوكيل، ما طلب منه، بأمر الله، وإلا أصابته نكبة بأمره؛ فالمشرك: إنما يدعو غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ويلتجىء إليه فيه ويرجوه منه، لما يحصل له في زعمه من النفع اهـ.
فصل
وقبل الدخول في عبادة الرجاء وغيرها من العبادات خصوصا العبادات القلبية نذكر كلاما لابن القيم نفيس في مراتب العبادات ومقاماتها، وهي كالقواعد في فهم تلك العبادات وارتباط بعضها ببعض وترتيب بعضها مع بعض، فقال رحمه الله في مدارج السالكين 1/ 136 ومن المقامات ما يكون جامعا لمقامين، ومنها ما يكون جامعا لأكثر من ذلك، ومنها ما يندرج فيه جميع المقامات فلا يستحق صاحبه اسمه إلا عند استجماع جميع المقامات فيه:
فالتوبة جامعة لمقام المحاسبة ومقام الخوف لا يتصور وجودها بدونهما، والتوكل جامع لمقام التفويض والاستعانة والرضى لا يتصور وجوده بدونها، والرجاء جامع لمقام الخوف والإرادة، والخوف جامع لمقام الرجاء والإرادة، والإنابة جامعة لمقام المحبة والخشية لا يكون العبد منيبا إلا باجتماعهما، والإخبات له جامع لمقام المحبة والذل والخضوع لا يكمل أحدها بدون الآخر إخباتا، والزهد جامع لمقام الرغبة والرهبة لا يكون زاهدا من لم يرغب فيما يرجو نفعه ويرهب مما يخاف ضرره، ومقام المحبة جامع لمقام المعرفة والخوف والرجاء والإرادة فالمحبة معنى يلتئم من هذه الأربعة وبها تحققها، ومقام الخشية جامع لمقام المعرفة بالله والمعرفة بحق عبوديته فمتى عرف الله وعرف حقه اشتدت خشيته له كما قال تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فالعلماء به وبأمره هم أهل خشيته قال النبي صلى الله عليه وسلم (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية) ، ومقام الهيبة جامع لمقام المحبة والإجلال والتعظيم، ومقام الشكر جامع لجميع مقامات الإيمان ولذلك كان أرفعها وأعلاها وهو فوق الرضا وهو يتضمن الصبر من غير عكس ويتضمن التوكل والإنابة والحب والإخبات والخشوع والرجاء فجميع المقامات مندرجة فيه لا يستحق صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له ولهذا كان الإيمان نصفين نصف صبر ونصف شكر والصبر داخل في الشكر فرجع الإيمان كله شكرا والشاكرون هم أقل العباد كما قال تعالى (وقليل من عبادي الشكور) ، ومقام الحياء جامع لمقام المعرفة والمراقبة، ومقام الأنس جامع لمقام الحب مع القرب فلو كان المحب بعيدا من محبوبة لم يأنس به ولو كان قريبا من رجل ولم يحبه لم يأنس به حتى يجتمع له حبه مع القرب منه، ومقام الصدق جامع للإخلاص والعزم فباجتماعهما يصح له مقام الصدق.
ومقام المراقبة جامع للمعرفة مع الخشية فبحسبهما يصح مقام المراقبة، ومقام الطمأنينة جامع للإنابة والتوكل والتفويض والرضى والتسليم فهو معنى ملتئم من هذه الأمور إذا اجتمعت صار صاحبها صاحب طمأنينة وما نقص منها نقص من الطمأنينة.
وكذلك الرغبة والرهبة كل منهما ملتئم من الرجاء والخوف والرجاء على الرغبة أغلب والخوف على الرهبة أغلب.