فهرس الكتاب
وكل مقام من هذه المقامات فالسالكون بالنسبة إليه نوعان: أبرار ومقربون، فالأبرار في أذياله والمقربون في ذروة سنامه وهكذا مراتب الإيمان جميعها وكل من النوعين لا يحصى تفاوتهم وتفاضل درجاتهم إلا الله اهـ.
ثانيًا:
ثم قال المصنف (والرجاء) : فالدعاء عبادة قولية والنحر عبادة عملية والنذر عبادة عملية فعلية بالجوارح، أما الرجاء فهي عبادة قلبية وهي أولى العبادات القلبية [1] التي ذكر المصنف حيث ذكر ست عبادات بالجوارح أو اللسان وتسع كلها بالقلب، فالرجاء عبادة محلها القلب لكنه متعلق بمحل العلم ومحل التصورات، وليس كل العلم بل بنوع من العلم وهو الظن الغالب، لماذا قلنا ذلك؟ لأن الرجاء له علاقة بالظن، والظن تابع للعلم، أي أن تتطلع إلى حصول شيء لكنه مظنونا قد يحصل وقد لا يحصل لكن الغالب أنه يحصل، ولذا قال العسكري في كتابه الفروق ص 203: الرجاء الظن بوقوع الخير الذي يعتري صاحبه الشك فيه إلا أن ظنه فيه أغلب وليس هو من قبيل العلم .... ولذا لا يقال أرجو أن يدخل النبي الجنة لكون ذلك متيقنًا ويقال أرجو أن يدخل فلان من المؤمنين الجنة إذ لا يُعلم ذلك، والفرق بين الرجاء والخوف أن الرجاء والأمل في الخير والخشية والخوف في الشر لأنهما يكونان مع الشك في المرجو والمخوف ولا يكون الرجاء إلا عن سبب يدعو إليه من كرم المرجو أو ما به إليه، ويتعدى بنفسه تقول رجوت زيدًا والمراد رجوت الخير من زيد لأن الرجاء لا يتعدى إلى أعيان الرجال) انتهي بحروفه.
فالرجاء إذًا متعلق بالظن لكن مع تطلع قلب وترقب، وتعلق القلب من باب أعمال القلوب فإذا رجوت الله فهذا توحيد، ومتى يكون الرجاء شركًا؟ إذا رجوت غير الله فيمالا يقدر عليه إلا الله هذا شرك أكبر كما لو رجوت من شخص أن يرزقك.
النوع الثاني من الرجاء: هو الرجاء من المقبورين أو الغائبين فإذا رجوت من مقبور أو غائب فهذا يعتبر من باب الشرك الأكبر ولا نقيده بأنه مالا يقدر عليه إلا الله، لأن الأول في الأحياء أما إذا رجوت من ميت ولو رجوت من الميت شيئًا يقدره لو كان حيًا مثل جئت إلى ولي من الأولياء ميت ورجوت منه أو يعطيك مالًا، فإنه لو كان حيًا أمكن أن يعطيك فلما رجوته وهو ميت هذا يعتبر شركًا أكبر.
مسألة: لو أن إنسانا ذبح لميت يرجو شفاعته أو وساطته عند الله فهل هذا العمل شرك في الرجاء أم شرك في الذبح؟ هذه مسألة مهمة وبها يقع الغلط والالتباس والاختلاف، فمن نظر إلى الرجاء لوحده قال إنها عبادة رجاء ومن نظر إلى الذبح جعلها من باب الذبح لغير الله.
والصحيح في هذه المسألة وأمثالها مما له وجهان [2] وجه يتعلق بالقلب ووجه يتعلق بالجوارح أن يناط الاسم بالظاهر لأنه كفر مستقل ظاهرا علق عليه الشارع الكفر أو
(1) ـ هذا باعتبار محلها ومنبعها وليس معنى ذلك أنه لا يكفر بها إلا إذا علما اعتقاده فلم نرد ذلك، ولكن الكلام على الرجاء في باب الشرح والبيان يختلف عن الكلام على الرجاء في باب الحكم والاسم والوعيد ومناطات ذلك. وهذه قاعدة عامة في كل ما قلنا أنه عبادة قلبية، للمعلومية.
(2) ـ هذه قاعدة عامة في أمثال ذلك.