فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 91

والسياق القرآني يُجَرِد المناط كوصفٍ مناسبٍ مؤثرٍ عن مزاحمة الأوصاف الأخري له وعن تأثير خصوصية المحل فيه حتي يتجرد للحكم، وهذا هو تنقيح المناط إن وجد غير منقحٍ في سياق فإنه يوجد منقحًا في سياق آخر، فلا يحتاج بيان القرآن إلي جهد مجتهدٍ في تنقيح المناط.

ويكون للعلماء جهد في تنقيح المناط في الأمور الظنية الراجعة إلي السنة. [1]

أما تحقيق المناط فله مسلكان:

1 -تقديم الدلالة الإصطلاحية الشرعية علي الدلالة العرفية، وتقديم العرفية علي الإفرادية الوضعية اللغوية المستفادة من وضع اللغة.

2 -أن يكون للدلالة الإصطلاحية الشرعية صور تتمثل فيها فيتولي السياق القرآني ذكرها علي سبيل الحصر في مناسباتها.

وبعد تنقيح المناط من خصوصية المحل ومزاحمة الأوصاف، نأتي لتحقيق المناط لمعرفة أي الدلالات هي المرادة (الشرعية أو العرفية أو اللغوية) مع اعتبار أن الدلالة الشرعية هي المقدمة ولا ننصرف عنها إلي العرفية أو اللغوية إلا لدلالةٍ شرعيةٍ أو لغويةٍ تدل علي ذلك.

مثال لتحقيق المناط: لفظ"يحكم"له دلالات ثلاث: في قوله تعالي / وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ/ [2]

دلالة لغوية في (ومن لم"يحكم") هي مطلق المخالفة الشرعية بمعصية ارتكبها أو ضلالةٍ اعتقدها.

-ودلالة العرف هنا الجور في الحكم أو الجرأة علي الإجتهاد.

-أما الإصطلاحية: فتشمل (التبديل) والتحاكم، والتحكيم .... إلخ

ثم ننظر في الحكم:

1 -جاء في الطبري حدثنا ابن وكيعٍ قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرء عن البراء بن

(1) 1 - مثال علي تنقيح المناط قوله تعالي (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَي لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَي ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة78:81) أوصاف عدة، معصية، عدوان، وعدم التناهي عن المنكر وولاية الكافرين، وهذه أوصاف قائمة في محل"بني إسرائيل".

ثم يأتي بعد ذلك وصف محدد ينفي عنهم الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليهم وهو"ولاية الكافرين"وهو نص في الكفر وقد تجرد هنا هذا الوصف عن المحل وعن مزاحمة الأوصاف وهو ولاية الكافرين وجعلته مناطًا لحكم الكفر.

ثم يأتي القرآن لينفي أن هذا الحكم لا يختص بهذا المحل وهو بني إسرائيل وحدهم وإنما هذا الحكم عام في كل من كانت هذه صفته في تولي الكافرين.

يقول تعالي (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) (آل عمران: من الآية28)

فنفي الصلة من كل وجه لا يأتي إلا في الكفر الأكبر. وأقوال المفسرين تؤكد ذلك، والحديث هنا عن مطلق المؤمنين. فلا تبقي أي شبهةٍ حيث أن المناط مجرد عن المحل، وعن مزاحمة الأوصاف وهو فعل ظاهر، فالنهي عن فعل ٍظاهر لأن التعبير بلفظ"يتخذ"لا يأتي إلا في الفعل الظاهر لا يأتي في الإعتقاد ففي قوله تعالي (وَأَوْحَي رَبُّكَ إِلَي النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) (النحل:68) فلا يتخذ النحل بيتا في الضمائر، وقوله ومن يفعل، حدد بأنه فعل ظاهر، وأداة التأثير الفاء التي ربطت بين الحكم (فليس من الله في شئ) وبين المناط، اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين. حيث قال (تَرَي كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) (المائدة:80) (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة:81)

(2) (المائدة: من الآية44)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت