الصفحة 16 من 18

* النوع الأول: في الربوبية، ويكون في ثلاثة أمور:

الأول: شرك في الاعتقاد:

كأن يعتقد في شيء أنه سبب وهو ليس سببًا في دفع الضر أو: جلب النفع. قال شيخنا العثيمين: (من اعتقد في شيء أنه سبب، ولكنه ليس مؤثرًا بنفسه، فهو مشرك شركًا أصغر، لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سببًا، فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببًا) [1] .

الثاني: شرك في الأعمال:

كمن يعلق التمائم أو: يلبس حلقة أو: خيطًا ونحوهما لرفع البلاء أو: دفعه؛ لأن كل من أثبت لله سببًا لم يجعله الله سببًا شرعًا ولا قدريًا، فقد أشرك بالله.

الثالث: شرك الأقوال:

كأن ينسب المطر إلى النجوم مع اعتقاد أن الفاعل هو الله عز وجل، كأن يقال: إذا سقط النجم الفلاني جاء المطر، وإذا طلع النجم الفلاني جاء المطر، فينسبون ذلك للنجم نسبة سبب، والله لم يجعل ذلك سببًا.

* النوع الثاني: في الألوهية، ويكون في ثلاثة أمور:

الأول: شرك في الاعتقاد:

كأن يعتقد في شيء البركة والله لم يجعل فيه البركة، لأن طلب البركة لا تكون إلا بأمر شرعي معلوم، مثل القرآن، فمن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات. وإما بأمر حسي معلوم كالعلم، فمن بركته نيل الخير الكثير منه والثواب.

فعلم من هذا أن التبرك عبادة لأن الإنسان لا يفعله إلا لأجل الحصول على الأجر والثواب، والخير من الله، والعبادة مبناها على التوقف والاتباع) [2] .

الثاني: شرك في الأعمال:

كأن يتمسح بيده بشيء لم يجعل الله فيه البركة، وكتقبيل أبواب المساجد، [3] والتمسح بأعتابها، والاستشفاء بتربتها، ومثل ذلك التمسح بجدران الكعبة أو: مقام إبراهيم.

ومن ذلك الذهاب إلى القبور لا لقصد الزيارة، وإنما لقصد الدعاء [4] عندها لأجل بركتها، واعتقاد أن الدعاء عندها أفضل. قال ابن تيمية: (فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء [5] ، أو: بعض الصالحين تبركًا في الصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه وابتداع لم يأذن به الله) [6] .

-قال جامعه أبو الفضل-فرج الله كربته- ومما كنت قلته بهذا الصدد بالسجن المحلي بتطوان 9 محرم 1428هـ قولي:

فَلَمْ يُحْمَدِ الإطْرَاءُ قَطُّ لِشَخْصِهِ ... كشَانِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ الْمُعَمَّدِ ...

ولَكِنْ لنَا فِي نَهْجِهِ خَيْرُ إسْوَةٍ ... بِمِشْكَاتِهَا وَسْطَ الغَيَاهِبِ نَهْتَدِي ...

إذَا أنْتَ حَكَّمْتَ الْحِجَى نِلْتَ مَا تَشَا ... وإنْ أنتَ طَاوَعْتَ الهَوىضِعْتَ فِي غَدِ ...

فَعُدْ لِصَوَابِ القَوْلِ واعْلَمْ بِأَنَّهُ ... لسَانُكَ مَا يَزْرَعْ من القول تَحصُدِ-

الثالث: شرك في الأقوال:

كالحلف بغير الله سواء بالكعبة، أو: الرسول عليه الصلاة والسلام، أو: السماء، أو: الحياة، أو: الشرف، أو: غير ذلك، لأن الحلف لا يكون إلا بالله أو: صفاته، ولا يجوز الحلف بغيره. وإن اعتقد أن المحلوف به بمنزلة الله في العظمة فهو شرك أكبر، وإلا فهو شرك أصغر [7] .

* النوع الثالث: في الأسماء والصفات، ويكون في ثلاثة أمور:

الأول: شرك في الاعتقاد:

كالاعتماد على الأسباب الظاهرة التي لم يثبت كونها سببًا لا شرعًا ولا حسًا، فإثباتها نوع مشاركة لله في الحكم على هذا الشيء بأنه سبب.

الثاني: شرك في الأعمال:

كلبس التولة والقلائد التي يقال إنها تمنع العين وما أشبه ذلك، فإضافتها إلى السبب الظاهر الذي لم يثبت كونه سببًا لا شرعًا ولا حسًا نوع من الشرك الأصغر، لأنه أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله في إثبات الأسباب [8] .

الثالث: شرك في الأقوال:

كقول: ما شاء الله وشئت، لأنه شرك غير الله مع الله بالواو. قال شيخنا العثيمين: (فإذا اعتقد أنه يساوي الله عز وجل في التدبير والمشيئة فهو شرك أكبر، وإن لم يعتقد ذلك واعتقد أن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء فهو شرك أصغر) [9] . قال ابن القيم: (ومن الشرك به سبحانه الشرك به في اللفظ، كقول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل:(ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندًا، قل ما شاء الله وحده) [10] . وهذا مع أن الله أثبت للعبد مشيئة كقوله: (لمن شاء منكم أن يستقيم) [11] ، فكيف من يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا من حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، ويقول: والله وحياة فلان، أو: يقول: نذرًا لله ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، وأرجو الله وفلانًا، ونحو ذلك؟ فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: (ما شاء الله وشئت) ، ثم انظر أيهما أفحش؟ يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - لقائل تلك الكلمة.

وأنه إذا كان قد جعله ندًا لله بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله غ في شيء من الأشياء، بل: لعله أن يكون من أعدائه؛ ندًا لرب العالمين) [12] .

(1) -انظر: (القول المفيد) (1/ 208) .

(2) -البركة من الله تعالى، ويختص بعض خلقه بما يشاء منها، فلا تثبت في شيء إلا بدليل، وهي تعني كثرة الخير وزيادته، أو: ثبوته ولزومه. وهي في الزمان: كليلة القدر، وفي المكان كالمساجد الثلاثة، وفي الأشياء: كماء زمزم، وفي الأعمال: فكل عمل صالح مبارك، وفي الأشخاص: كذوات الأنبياء، ولا يجوز التبرك بالأشخاص-لا بذواتهم ولا آثارهم-إلا بذات النبي صلى الله عليه وسلم، وما انفصل من بدنه من ريق وعرق وشعر، إذ لم يرد الدليل إلا بهما، وقد انقطع ذلك بموته غ، وذهاب ما ذكر. (مجمل أصول أهل السنة والجماعة في العقيدة) (ص:17) ناصر العقل.

(3) -انظر: حكم تقبيل القبر ولمسه والطواف به في كتابي ابن تيمية: (الرد على الأخنائي) (ص:39) . و (الاستغاثة) (1/ 171/201) ، وما قاله الذهبي في: (السير) (4/ 42/43/و11/ 212/500) وما قاله في (معجم الشيوخ) (55/ 56) : (وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله، فلم ير بذلك بأسًا، رواه عنه ولده عبد الله -ويضيف الذهبي قائلًا: فإن قيل: فهلا فعل ذلك الصحابة! قيل: لأنهم عاينوه حيًا، وتملوا به، وقبلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوئه، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه! ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر، ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل، والاستلام والتقبيل، ألا ترى كيف فعل ثابت البناني، كان يقبل يد أنس ابن مالك ويضعها على وجهه ويقول: يد مست يد رسول الله غ) . هذه عاطفة غير منضبطة بنص صحيح، ولا سيما عند ما تقرأ قوله: (بأنه لبس الخرقة) في (سيره) (23/ 364) . والذهبي نفسه يرد هذا الغلو في مواضع من (سيره) !! وقد تتبعت ذلك في (سيره) -كما سأبين ذلك في كتابي: (ذاكرة سجين مكافح) (4/ 483/528/ 5/358/ 395/و9/ 368/و10/ 65/و17/ 231/و18/ 614/619/و23/ 143/و23/ 226/364/ 381) . ومواضع أخرى تناقض هذا الكلام الذي صدر منه بعاطفة الحب، لا بقلم الناقد المعروف، وكنا ننتظر منه أن يقول درجة هذا الأثر لا أن يثور بمداد الحب الذي أخرجه عن مهمته رحمه الله. على أن كلام الذهبي في هذا يستدل له لا به.

(4) -انظر: (التبرك المشروع والتبرك الممنوع) للأستاذ على العلياني. والذهبي في (سيره) يقرر أن الدعاء عند قبر فلان مستجاب انظر: (7/ 76/و20/ 217/385) ، وكذا قوله: (قبر فلان الترياق المجرب) (9/ 343/و13/ 35/و14/ 419/و17/ 428) !! على أن ابن تيمية قال في (الرد على البكري) : (إذا قال: يا صاحب القبر ادع الله لي بكذا ليس شركًا) !. قال شيخنا محمد العثيمين في (القول المفيد) (1/ 197/198) :(والدعاء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: جائز، وهو أن تدعو مخلوقًا-حيًا-بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة، فهذا ليس من دعاء العبادة، بل: هو من الأمور الجائزة.

الثاني: أن تدعو مخلوقًا مطلقًا سواء كان حيًا أو: ميتًا فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا شرك أكبر، لأنك جعلته ندًا لله فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: يا فلان اجعل ما في بطني امرأتي ذكرًا.

الثالث: أن تدعو مخلوقًا ميتًا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة، فهذا شرك أكبر أيضًا، لأنه لا يدعو من كان هذه حاله حتى يعتقد أن له تصرفًا خفيًا في الكون).

(5) -قال ابن حزم في (المحلى) (7/ 353/رقم المسألة:969) : (القصد إلى أثر نبي من الأنبياء حسن، قد تبرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بموضع مصلاه، واستدعوه ليصلي في بيوتهم في موضع يتخذونه مصلى فأجاب إلى ذلكم عليه السلام) . ثم ذكر أن ابن عمر: (كان يكره أن يكثر مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم) . رواه الذهبي من طريق أبي نعيم (تذكرة الحفاظ) (1/ 152) . انظر ما قال الذهبي في شعرة من شعرات النبي في (سيره) (19/ 566) .

(6) -انظر: (اقتضاء الصراط المستقيم) (1/ 334) .

(7) -وبعض الناس-مع الأسف-يحلف بالله إن كان كاذبًا، ويحلف بالولي إن كان صادقًا، ولا يستطيع أن يحلف به في حالة الكذب!!!. أما الله تعالى يحلف به في حالة الكذب ولا يبالي!!!.

(8) -انظر: (القول المفيد) (2/ 378) .

(9) -انظر: (القول المفيد) (2/ 379) .

(10) -رواه أحمد في: (مسنده) (1/ 214) ، والبخاري في: (الأدب المفرد) (783) ، وإسناده حسن.

(11) -سورة التكوير، الآية رقم: (28) .

(12) -انظر: (الجواب الكافي) (ص:199) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت