أشركوا ... وفي الحديث الذي رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وقال:"حديث حسن صحيح" [1] عن بريدة قال: سمعت رسول الله غ يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) . وعن ثوبان، قال: سمعت رسول الله غ يقول: (بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك) [2] . فتأمل كيف أن الحديث الأول أطلق على تارك الصلاة صفة الكفر، وفي الحديث الآخر أطلق عليه صفة الشرك، علمًا أن العلة واحدة في كلا الحديثين، وهي ترك الصلاة، مما دل أن أحدهما إذا أطلق فهو مستلزم للآخر. والله أعلم [3]
أما الشرك الأصغر فهو دون الشرك الأكبر، وهو رديف الكفر الأصغر، من حيث إنه لا يخرج صاحبه من الملة، ولا ينفي عنه الإيمان مطلقًا، وفي الآخرة يترك لمشيئة الله عز وجل، إن شاء عذبه وحاسبه، وإن شاء عفا عنه وتركه، ولو عُذِّب فهو مما تنالهم شفاعة الشافعين، بإذن الله تعالى. ومن أنواع الشرك الأصغر: الحلف بغير الله: إن لم يقصد تعظيم المحلوف به، وإلا؛ صار شركًا أكبر. قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل يمين يُحلف بها دون الله شرك) [4] .
وقوله: (من حلف بغير الله فقد كفر [5] أو: أشرك) [6] . وإلى هذا أشرت بقولي:
1 -تَحَرَّزْ مِنَ الإشْرَاكِ بِاللهِ تُفْلِحِ ... عَلَى لَذَّةِ التَّوْحيدِ أَمْسِ وأَصْبِحِ ...
2 -فَإِنَّ نُفُوسَ الخَلْقِ فِي يَدِ رِبِّهَا ... وَأَهْلُ التُّقَى يَمْشُونَ فِي نَهْجِ أَوْضَحِ ...
3 -وَكُلُّ يَمِينٍ أَقْدَمَ الْمَرْءُ حَالِفًا ... بِهَا دُونَهُ تُفْضِي لِشِرْكٍ مُبَرِّحِ
(1) -انظر: (صحيح الترغيب) (564) .
(2) -رواه الطبري بإسناد صحيح. وانظر من خرجه في: (صحيح الترغيب) (564) . فيه أن تارك الصلاة مشرك، وأن قوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) لا يشمل تارك الصلاة، لأن تارك الصلاة بالنص مشرك كافر.
(3) -انتهى بتصرف يسير مني من (قواعد في التكفير) (ص:16/ 17) .
(4) -انظر تخريجه بتوسع في: (السلسلة الصحيحة) (2042) .
(5) -قال الشيخ عبد اللطيف في كتابه: (أصول وضوابط) (ص:46) : (ولكنه لا يستحق اسم الكفر على الإطلاق. فمن عرف هذا عرف فقه السلف، وعمقَ علومهم، وقلةَ تكلفهم. قال ابن مسعود:"من كان متأسِّيًا فليتأسَّ بأصحاب رسول الله، فإنهم أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيِّه، فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم". وقد كاد الشيطان بني آدم بمكيدتين عظيمتين، لا يبالي بأيهما ظفر: أحدهما: الغلو ومجاوزة الحد والإفراط. والثاني: هو الإعراض والترك والتفريط. قال ابن القيم-في"إغاثة اللهفان"(1/ 116/117) -لما ذكر شيئًا من مكائد الشيطان: (قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر. وقد اقتطع أكثر الناس إلا القليل في هذين الواديين: وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي، والقليل منهم الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ... وقَصَّرَ بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل، فضلًا عن أبي بكر وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة) .
(6) -رواه أحمد (2/ 34/86) ، والترمذي وقال: (حسن) ، وقال الألباني: (بل: هو صحيح) ، انظر تخريجه بتوسع في: (الصحيحة) (2042) .