قال:"قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" [1] . فالرياء كله شرك. قال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنهما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) [2] . أي: كما أنه إله واحد، ولا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة. وكان من دعاء عمر ابن الخطاب رضي الله عنه:"اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا" [3] . وهذا الشرك في العبادة يُبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه ينزل منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر، فإن الله سبحانه وتعالى إنما أمر بعبادته عبادة خالصة. قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) [4] . فمن لم يخلص لله في عبادته؛ لم يفعل ما أمر به، بل: الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يقبل. ويقول الله: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، فهو للذي أشرك، وأنا منه برئ) [5] . وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وإلى غير مغفور).
والعمل لغير الله له حالات:
الحالة الأولى: أن يكون رياءً محضًا، فلا يريد صاحبه إلا الدنيا، أو: مرآة المخلوقين؛ كالمنافقين الذين قال الله فيهم: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا) [6] . فهذا العمل لا يشك مسلم بأنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله جل وعلا.
الحالة الثانية: أن يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فهذا له حالتان:
أ-إما أن يشاركه الرياء من أصله.
ب-وإما أن يطرأ عليه.
فأما الأول؛ فالعمل حابط لا يقبل، ويستدل له بالحديث الذي أخرجه مسلم في: (صحيحه) [7] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وأما إن طرأ عليه الرياء واسترسل معه: فبعض العلماء يبطله بالكلية، وبعض العلماء
(1) -وفي رواية للإمام أحمد: (الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره، تقول: اللهم إني أعوذ أن أشرك بك وأنا أعلم) . وفي بعض الرويات: (تقولها ثلاث مرات) . أورده الشيخ الألباني في: (ضعيف الجامع) (3/ 256/رقم:3433) . ثم صححه في: (صحيح الترغيب والترهيب) (1/ 19/رقم:33) .
(2) -سورة الكهف، الآية رقم: (110) .
(3) -رواه أحمد في:"الزهد"من رواية الحسن عن عمر ولم يسمع منه.
(4) -سورة البينة، الآية رقم: (5) .
(5) -رواه مسلم (2985) ، وابن ماجة (4202) ، وأحمد (2/ 301/435) ، وصححه ابن حبان. انظر: هامش (جامع العلوم والحكم) (1/ 79) تحقيق: الأرنؤوط، وباجس.
(6) -سورة النساء، الآية رقم: (142) .
(7) -رواه مسلم في: (صحيحه) (رقم:2985) في كتاب الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله، وباب: تحريم الرياء. وفي لفظ لابن ماجة: (رقم:4202) في الزهد: باب: الرياء والسمعة: (قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملًا أشرك فيه معي غيري، فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك) . ورواه أحمد في (مسنده) (2/ 351/435) بلفظ: (أنا خير الشركاء، من عمل عملًا لي فأشرك فيه غيري، فأنا منه بريء وهو للذي أشرك) . وخرجه البزار في (مسنده) (برقم:3567) من حديث الضحاك ابن قيس مرفوعًا بلفظ: (إن الله عز وجل يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا، فهو لشريكي، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله عز وجل، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أخلص له، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم، فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم، وليس لله فيها شيء) . وقال الهيثمي في: (المجمع) (10/ 221) : رواه البزار عن شيخه إبراهيم بن مجشر. وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الذهبي-في إبراهيم بن مجشر-: هو صويلح في نفسه. وأورده السيوطي في (الدر المنثور) (5/ 472) ، وزاد نسبته لابن مردويه والبيهقي، وقال: إسناده لا بأس به.