الصفحة 11 من 18

وذكر الزركلي في ترجمة سيمون أُكلي وهو مستشرق إنجليزي، ألف كتابًا في تاريخ المسلمين، أنه انتُقد عليه في كتابه كثرة اعتماده على كتاب فتوح الشام للواقدي، قال الزركلي في ترجمته:

(وفي دائرة المعارف البريطانية:"مما يؤسف له كثرة اعتماده في تأليف كتابه، على مخطوطة من كتاب فتوح الشام المنسوب للواقدي، وهو أقرب إلى أن يكون قصة خيالية من أن يكون تاريخًا" [1] .

وفي هذا الذي أوردته كفاية، ومن تتبع كلام أهل الاختصاص عن كتب الفتوح المنسوبة إلى الواقدي وجد أكثر مما ذكرت ..

ولولا أن المقام مقام تنبيه، لتناولت بعض ما جاء فيه بالدراسة والتحليل، ولكن حسبي ما تقدم ففيه مقنع إن شاء الله ..

فليس يسوغ بعد هذا ولا يجوز لأحد قط أن ينسب إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلًا أو قولًا، لا استشهادًا ولا اعتضادًا، ولا استنادًا ولا استئناسًا، ما دام مصدره كتاب زائف تالف هذا حاله.

كيف والحال في أمرٍ عظيمٍ خطير، والمُدّعى فائحة منه رائحة النكارة!!

وما كان يسوغ نسبة الصحابة الأخيار رضوان الله عليهم إلى هذا الفعل لو رُئيت نسبته إليهم في كتب التاريخ والمغازي المشهورة دون تطلب إسناده وتحقق صحته، إذ كتب التاريخ ما سلمت من الدخيل، واختلاق الأباطيل، وكما قال القحطاني رحمه الله في نونيته:

لا تقبلن من التوارخ كلما ‍ ... جمع الرواة وخط كل بنان

ارو الحديث المنتقى عن أهله ‍ ... سيما ذوي الأحلام والأسنان

فالتثبت في نسبة الأقوال والأفعال متعين في حق عامة الناس، فكيف بالصحب المجتبى لصحبة خير الورى صلى الله عليه وسلم.

إن بضاعة الوضاعين، واختلاقات القصاصين، ليست تحل مطالعتها والنظر فيها لغير ناقد بصير، حاذق خبير، ولا يحل إيراد شيء من كلامهم إلا لغرض التزييف والتحذير، وما يشوبون به إفكهم من بعض الحقائق فنحن في غنية عنها من طريقهم بما صح من غيرها، والواجب هو ترك مواردهم ومشاربهم كلية، ولنا في الصحيح من كتب أهل العلم منهل رويّ عذب زلال، وليست تلك الموارد الكدرة والمشارب الآسنة لنا بحال، بل هي للقوم الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

(وأما أهل الأهواء ونحوهم فيعتمدون على نقل لا يعرف له قائل أصلًا لا ثقةٌ ولا معتمد، وأهون شيء عندهم الكذب المختلق، وأعلمُ من فيهم لا يرجع فيما ينقله إلى عمدة، بل إلى سماعات عن الجاهلين والكذابين وروايات عن أهل الإفك المبين [2] .

فتلك هي مراتعهم ومعاطنهم، ومواردهم ومصادرهم، فهم حطابة ليل ما أسرع أن يوبقوا أنفسهم، وفيهم يقول القائل:

دع خبط عشواء في ليلاء مظلمة::: هاجت أفاعيَ رقشا بين أحجار

وأهل العلم والهدى إنما سبيلهم وديدنهم التمحيص والتفتيش، و المَيْزُ بين الصحيح والضعيف، والأصيل والزيف، فهم صيارفة الأثر، ولأجل ذلك استحقوا التوقيع عن رب البشر، وكان لهم المقام العلي والجزاء الأوفر.

المقام الثاني: وهو قول الشيخ أبي الوليد حفظه الله عن الإمام الواقدي رحمه الله (وهو ثقة في المغازي على الصحيح) .

والكلام في هذا المقام باختصار يغني عن الإطالة إن شاء الله ..

فالواقدي إمام في المغازي بلا ريب، لكن توثيقه فيها غير صحيح، وإيضاح ذلك مرهون بمعرفة كلام أهل العلم في الواقدي، ومختصره أن أساطين أهل العلم قد تكلموا في الواقدي وتركوه، ورماه جماعة من الأكابر بالكذب كالشافعي [3] وأحمد [4] وابن المديني [5] وابن

(2) مجموع الفتاوى (27/ 479) .

(3) الجرح والتعديل (8/ 20) ط1 - دار إحياء التراث.

(4) ميزان الاعتدال (6/ 276) ط1 - دار الكتب العلمية.

(5) تهذيب التهذيب (9/ 325) ط1 - دار الفكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت