وإذا كان سبب تركه هو الثاني منفردًا وسُلِّمت عدالته إجمالًا فلا شك أن كلام الأئمة يُلحِقها وهنًا يحط من رتبتها عن درجة تامّي العدالة، ثم ليس سبب تركه في الحديث -على الثاني- بمنتف عنه في المغازي، وليس هو بخلي في هذا الباب عن تلك المحاذير المقتضية للترك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(لا يختلف اثنان أن الواقدي من أعلم الناس بتفاصيل أمور المغازي، وأخبرهم بأحوالها، وقد كان الشافعي وأحمد وغيرهما يستفيدون علم ذلك من كتبه، نعم هذا الباب يدخله خلط الروايات بعضها ببعض حتى يظهر أنه سمع مجموع القصة من شيوخه، وإنما سمع من كل واحد بعضها ولم يميزه، ويدخله أخذ ذلك من الحديث المرسل والمقطوع، وربما حدس الراوي بعض الأمور لقرائن استفادها من عدة جهات، ويُكثر من ذلك إكثارًا ينسب لأجله إلى المجازفة في الرواية وعدم الضبط [1] .
فهذا حال الواقدي في المغازي، ومهما قيل في سعة علمه بها، فما هو قطعًا بالضابط لما يرويه ضبط الثقات، بل هو دون ذلك بدركات، ومن نظر فيما يرويه مما صح وثبت من غير طريقه، وقارن روايته بما صح تبين له الحال، ولا يتنافى هذا مع سعة علمه.
فتوثيقه بعد هذا في المغازي مجازفة، ولا مسوغ له في النظر العلمي، ولم أر من أئمة الشأن ممن يعتد بقوله في هذا المضمار قائلًا به!!
واعلم أنه لا يشك أحد في سعة العلم الواقدي بالمغازي، ولما كانت العلماء تتساهل في باب المغازي ولا تشترط فيه ما تشترطه في أبواب الأحكام وأقوال سيد الأنام عليه الصلاة والسلام، وكان الواقدي خبيرًا بهذا الباب مع ما عليه من كلام، فقد اعتبروا بكلامه في الإخباريات والمغازي واحتاطوا في مفرداته و مخالفاته، وهذا في الأخبار المجردة، فأما في خبرٍ ينبني عليه حُكمٌ أوحِلٌّ أو حرمة فهو متروك تالف.
فليس كلامه في المغازي مقبول جملة لما له فيه من اطلاع، ولا هو مردود جملة لكونه متروك الحديث بالإجماع، فالحق بين هذين لما علمت، فلكلامه في المغازي اعتبار حيث لم ينفرد أو يُخالف، إذ انفراده ومخالفته مظنة الغلط أو التهمة، فيُحتاط منه ثَمّة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(1) الصارم المسلول (2/ 200) .