الصفحة 8 من 18

وغيرهم رضي الله عنهم لا ينطبق على مذاهبهم في النطق, بل كلما دقق المطالع في أحناء قوله يجد أسلوبه من أساليب القصاصين في الديار المصرية من أبناء المائة الثامنة والتاسعة, ولا يرى عليه لهجة المدنيين ولا العراقيين, والرجل كان مدني المنبت عراقي المقام, ولولا خوف التطويل لأتيت بكثير من عباراته وبينت وجه المخالفة بينها وبين مناهج أبناء القرون الأولى في التعبير، على أن ذلك لا يحتاج إلى البيان عند العارفين بأطوار اللغة العربية، فهذا الكتاب لا تصح الثقة به, إما لأنه مكذوب النسبة على الواقدي وهو الأظهر ... إلخ [1] .

وهذا كلام متين رصين، وهو كما قال فيه، أن كتاب (فتوح الشام) المطبوع مستبينةٌ صناعتهُ المتأخرة -كله أو أغلبه- لمن طالع صفحات منه، وسيأتي الكلام على حال الواقدي في المغازي.

وقال الشيخ الأديب أحمد عمر الإسكندري في انتقاده لكتاب تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان:

(الأمر لا يجهله من له أدنى إلمام بتمييز كتابات العصور المختلفة أو بالتاريخ، أن كتب المغازي التي تطبع في مصر من مثل فتوح الشام ومصر والبهنسا وفتح خيبر وفتح مكة ورأس الغول ونحوها، هي من الكتب الموضوعة الخيالية المشتملة على بعض حقائق تاريخية، والأقرب أنها وضعت هي وقصة عنترة وذات الهمة وغيرها زمن الحروب الصليبية لتغرس في الناس فضيلة الشجاعة والاقتداء بالسلف الصالح، لا أنها هي نفس كتب الواقدي الحقيقية، وإن الذين سموها بهذه الأسماء هم جماعة الوراقين والنساخين، لترويج سلعهم عند القراء، كما نسب مؤلف قصة عنترة وروايتها إلى الأصمعي، وزعم أنه عمر وأدرك الجاهلية وقابل شيبوبًا أخا عنترة [2] .

وقد أفدنا من هذا النقل سبب وضع الكتاب واختلاق رواياته وبطولاته، والإسكندري يرى أن الكتاب من وضع وضاع شابَهُ ببعض الحقائق كما ترى.

وقال الزركلي في ترجمة الواقدي:

(1) انظر مجلة المنار، المجلد الثالث، مقال: (كتب المغازي وأحاديث القصاصين) .

(2) انظر مجلة المنار، المجلد السادس عشر، تحت عنوان: (نظرة في الجزء الثاني من كتاب تاريخ آداب اللغة العربية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت