(( الحمد لله الذي جعل في كل زمان، فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لأبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس ) ) [1] .
أما بعد:
لا شك ِأن تنحية شرع الله تعالى، وعدم التحاكم إليه في شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف في مجتمعات المسلمين، بل إن ذلك من أشنع وأبشع نواقض الإسلام، ولقد كان عاقبة الإعراض عن شريعة الله ما وقع في أمة الإسلام من الفساد والبغي والذل والمحق في جميع الأمور.
يقول ابن القيم رحمه الله: (( لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان، وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور ... ) ) [2] .
ورحم الله العلامة المحدث أحمد شاكر حيث يقول: (( أفيجوز في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربه الوثنية الملحدة؟ بل بتشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيرون ويبدلونه، كما يشاؤون، لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟ إن المسلمين لم يُبلوا بهذا فقط - فيما نعلم من تاريخهم - إلا في ذلك العهد عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلامُ التتار، ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته ) ) [3] . ولقد قام علماء أجلاء بمحاربة وجهاد تلك القوانين، والتحذير منها، وكشف عوارها، والحكم على من شرّعها وطبقها ورضيها، وأخص منهم: الشيخ أحمد شاكر، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي، والأستاذ سيد قطب، والعلامة محمد بن إبراهيم رحمهم الله جميعًا.
وبين يديك - أخي القارئ - رسالة موجزة ومتواضعة في بيان شيء من جهود الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم في مسألة (( الحاكمية ) )، والذي حملني على كتابتها هو السعي في إبراز جهود هذا العالم الجليل، وفي مثل هذه المسألة العظيمة الخطيرة، حيث غلب على الكثير عدم إدراك جهود هذا العالم، وإن كان بعضهم قد تنبّه أخيرًا لما كتبه الشيخ في رسالته النفيسة المسماة بـ (تحكيم القوانين) مع أن
(1) خطبة الإمام أحمد بن حنبل في مقدمة كتاب الردّ على الزنادقة والجهمية، وربما أن الإمام أحمد - قد اقتسبها من كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أو وافقه فيها كما ذكر ذلك ابن القيم في الصواعق المرسلة 3/ 928.
(2) الفوائد، ص 42، ولابن القيم كلام قريب من هذا في (الصواعق) 3/ 861.
(3) عمدة التفسير لابن كثير 4/ 173.