فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 41

وإذا كان هذا الصنف من جنس التتار .. فكذلك هم من جنس اليهود عند ما حكموا بما يخالف حكم الله - تعالى - وهم يعلمون ذلك، كما جاء مبينًا في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه - حيث قال: مُرّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- بيهودي محمّمًا [1] مجلودًا، فدعاه -صلى الله عليه وسلم- فقال: هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى. أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا! ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكن كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"اللهم إني أولّ من أحيا أمرك إذا أماتوه"فأمر به فرجم، فأنزل الله - عز وجل: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ) )إلى قوله: (( إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ) ) (المائدة: من الآية41)

يقول ائتوا محمدًا، فإن أمركم بالتحميم والجلد، فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروه، فأنزل الله - تعالى - (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) ) (المائدة: من الآية44) (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) (المائدة: من الآية45) (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) (المائدة: من الآية47) في الكفار كلها" [2] "

فمناط الكفر - هاهنا - ما تلبّس به هؤلاء اليهود من تجويز الحكم بغير ما انزل الله، وتبديل حكم الله - تعالى - فاليهود كفروا لتغييرهم حكم الله - تعالى - فجعلوا التحميم والجلد بدلًا من الرجم، وهم يعلمون خطأهم [3]

-ويقول ابن القيم - عن هذه الحالة:"إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخيّر فيه مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر" [4]

-ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب:"من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، عليه السلام، فهو كافر" [5]

(1) أي مسوّد الوجه، من الحُممة: الفحمة.

(2) رواه مسلم 3/ 1327 رقم الحديث 1700.

(3) انظر رسالة ضوابط التكفير للقرني ص 219، وحد الإسلام للشاذلي ص 381، 382 ,

(4) مدارج السالكين 1/ 337، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز 2/ 446.

(5) مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب 1/ 387.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت