العبادات ما هي إلا إظهار هذا الاستسلام والانقياد [1] ، ولذلك فقد تُباح في قوم وتحرم في غيرهم، وتُفرض على قوم وتُرفع عن غيرهم، مثل قتل النفس أو الخروج من الديار [2] ، مع ملاحظة أن القول بالاستسلام فقط دعوى لا تُقبل إلا بفعل الشرائع التي هي الدليل على صدق هذه الدعوى، ولكن فعل الشرائع ليس دليلًا قطعيًا جازمًا على الاستسلام الذي هو من أعمال القلوب ولكن هو الفعل الظاهر الذي طولبنا بالحكم على الناس به.
وعليه فمن أتى بالشرائع كاملةً ثم رفض الاستسلام والانقياد فلا قيمة لفعله ومن أتى بنظام يطبِّق الشرائع وينقض الاستسلام فلا قيمة لعمله، وعمله فاسدٌ مردودٌ عليه.
كمن يريد أن يأتي بتطبيق الحدود وإقامة الشرائع عن طريق الإقرار بشريك لله في الحكم والتشريع وجعل له سيادة تساوي سيادة الله الخالق البارئ أو تتقدَّم عليها؛ كمن يجعل السيادة للشعب في الأنظمة العلمانية والديمقراطية، ويقول عن طريق الشعب والإقرار له بالسيادة نأتي بأحكام الشريعة، فهذا قد خرم الأصل ليأتي بالفرع.
-قد يجوز الإتيان ببعض الأفعال التي ظاهرها الكفر لتمكين ونصرة وإقامة الدين -مثل ما فعل محمد بن مسلمة مع كعب بن الأشرف، وفعل عبد الله بن أنيس مع خالد بن سفيان الهذلي، وفعل فيروز الديلمي مع الأسود العنسي- ولكن لا يصحُّ الاستدلال بذلك على دخول المجالس التشريعية وتكوين الأحزاب في وقتنا الحالي؛ لأن من أراد أن يقيس على هذه الصور فلا بد أن يكون القياس متساوي الطرفين، وفي حالتنا القياس غير صحيح وذلك لوجود ضوابط لذلك الأمر غير متوفرة في زماننا الحالي مثل:
أ- إن ما ينتج عن هذه الأعمال التي يُرخَّص فيها هو الدين الصحيح الكامل ونصرته وإظهاره، ولا يجوز الأخذ بهذه الرخصة للإتيان بشيء محرم أو ممنوع أو مبتدع -كما ذكر العلماء من كون الرخص لا تباح في المعاصي-.
(1) {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ} [الحج:37] .
(2) {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء:66] ، {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:54] .