شيخ الإسلام ابن تيمية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في"الصارم المسلول على شاتم الرسول":
فاما من سب ازواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال القاضي ابو يعلى: (من قذف عائشة بما براها الله منه كفر بلا خلاف) ، وقد حكى الاجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الائمة بهذا الحكم.
فروي عن مالك: (من سب ابا بكر جلد ومن سب عائشة قتل) ، قيل له: لم؟ قال: (من رماها فقد خالف القران، ولان الله تعالى قال: {يعظكم الله ان تعودوا لمثله ابدا كنتم مؤمنين} ) .
وقال ابو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لاسماعيل بن اسحاق: (اتى المأمون بالرقة برجلين شتم احدهما فاطمة وفي عائشة، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة وترك الاخر، فقال اسماعيل: ما حكمهما الا ان يقتلا، لان الذي شتم عائشة رد القران) ، وعلى هذا مضت سيرة اهل الفقه والعلم من اهل البيت وغيرهم.
قال ابو السائب القاضي: (كنت يوما بحضرة الحسن بن زيد - الداعي بطبرستان وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوجه في كل سنة بعشرين الف دينار الى مدينة السلام يفرق على سائر ولد الصحابة - وكان بحضرته رجل ذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام اضرب عنقه!، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله هذا رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات اولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} فان كانت عائشة خبيثة فالنبي صلى الله عليه وسلم خبيث فهو كافر فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه وانا حاضر) [رواه اللالكائي] .
وروي عن محمد بن زيد اخي الحسن بن زيد انه قدم عليه رجل من العراق فذكر عائشة بسوء فقام اليه بعمود فضرب به دماغه فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا ومن يتولانا، فقال: (هذا سمى جدي قرنان ومن مسمي جدي قرنان استحق القتل) فقتله.
واما من سب غير عائشة من ازواجه صلى الله عليه وسلم ففيه قولان:
احدهما: انه كساب غيرهن من الصحابة على ما سيأتي.
والثاني: وهو الاصح، ان من قذف واحدة من امهات المؤمنين فهو كقذف عائشة رضي الله عنها، وقد تقدم معنى ذلك عن ابن عباس، وذلك لان هذا فيه عار وغضاضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واذى له اعظم من اذاه بنكاحهن بعده، وقد تقدم التنبيه على ذلك فيما مضى عند الكلام على قوله: {ان الذين يؤذون الله ورسوله} الاية، والامر فيه ظاهر.
فصل:
فاما من سب احدا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - من اهل بيته وغيرهم - فقد اطلق الامام احمد انه يضرب ضربا نكالا، وتوقف عن كفره وقتله.
قال ابو طالب: (سألت احمد عمن شتم اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: القتل اجبن عنه ولكن اضربه ضربا نكالا) .
وقال عبد الله: (سألت ابي عمن شتم رجلا من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ارى ان يضرب. قلت له: حد؟ فلم يقف على الحد الا انه قال: يضرب، وقال: ما اراه على الاسلام) .
وقال: (سالت ابي من الرافضة؟ فقال: الذين يشتمون او يسبون ابا بكر وعمر رضي الله عنهما) .
وقال في الرسالة التي رواها ابو العباس احمد بن يعقوب الاصطخري وغيره: وخير الامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ابو بكر، وعمر بعد ابي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون. ثم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الاربعة خير الناس، لا يجوز لاحد ان يذكر شيئا من مساويهم، ولا يطعن على احد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته