وعن علقمة بن قيس قال خطبنا علي رضي الله عنه فقال: (انه بلغني ان قوما يفضلوني على ابي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولوكنت تقدمت في هذا لعاقبت فيه ولكني اكره العقوبة قبل التقدم، ومن قال شيئا من ذلك فهو مفتر عليه ما على المفتري خير الناس كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابو بكر ثم عمر) رواهما عبد الله بن احمد، وروى ذلك ابن بطة اللالكائي من حديث سويد بن غفلة عن علي في خطبة طويلة خطبها.
وروى الامام احمد باسناد صحيح عن ابن ابي ليلى قال: (تداروا في ابي بكر وعمر) ، فقال رجل من عطارد: (عمر افضل من ابي بكر) ، فقال الجارود: (بل ابو بكر افضل منه) ، قال: فبلغ ذلك عمر، قال: فجعل يضربه ضربا بالدرة حتى شغر برجليه، ثم اقبل الى الجارود فقال: (اليك عني) ، ثم قال عمر: (ابو بكر كان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا) ، ثم قال عمر: (من قال غير هذا اقمنا عليه ما نقيم على المفتري) .
فاذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي رضي الله عنهما يجلدان حد المفتري لمن يفضل عليا على ابي بكر وعمر او من يفضل عمر على ابي بكر، مع ان مجرد التفضيل ليس فيه سب ولا عيب، علم ان عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير.
فصل: في تفاصيل القول فيهم
اما من اقترن بسبه دعوى ان عليا اله، او انه كان هو النبي وانما غلط جبريل في الرسالة، فهذا لاشك في كفره بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره.
وكذلك من زعم منهم ان القران نقص منه ايات وكتمت، او زعم ان له تأويلات باطنة تسقط الاعمال المشروعة، ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخية وهؤلاء لا خلاف في كفرهم.
واما من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل او الجبن او قلة العلم او عدم الزهد ونحو ذلك، فهذا هو الذي يستحق التاديب والتعزير ولا يحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من العلماء.
واما من لعن وقبح مطلقا فهذا محل الخلاف فيهم لتردد الامر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
واما من جاوز ذلك الى ان زعم انهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا، او انهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب ايضا في كفره، فانه مكذب لما نصه القران في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فان كفره متعين، فان مضمون هذه المقالة ان نقلة الكتاب والسنة كفار او فساق، وان هذه الامة التي هي {كنتم خير امة اخرجت للناس} وخيرها هو القرن الاول كان عامتهم كفارا او فساقا، ومضمونها ان هذه الامة شر الامم وان سابقي هذه الامة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الاسلام، ولهذا تجد عامة من ظهر عنه شيء من هذه الاقوال فانه يتبين انه زنديق، وعامة الزنادقة انما يستترون بمذهبهم، وقد ظهرت لله فيهم مثلات، وتواتر النقل بان وجوههم تمسخ خنازير في المحيا والممات، وجمع العلماء ما بلغهم في ذلك، وممن صنف فيه الحافظ الصالح ابو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي كتابه في النهي عن سب الا صحاب وما جاء فيه من الاثم والعقاب
وبالجملة فمن اصناف السابة: من لاريب في كفره، ومنهم من لايحكم بكفره، ومنهم من يتردد فيه، وليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك، وانما ذكرنا هذه المسائل لانها في تمام الكلام في المسألة التي قصدنا لها
فهذا ما تيسر من الكلام في هذا الباب، ذكرنا ما يسره الله واقتضاه الوقت، والله سبحانه يجعله لوجهه خالصا وينفع به، ويستعملنا فيما يرضاه من القول والعمل.
والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم تسليما الى يوم الدين