فالتجارة وسيط نافع بين الصناعة والمستهلك تقوم بترويج البضاعة وتسويقها ومن ثم تحسينها وتيسير الحصول عليها معا. وهي خدمة للطرفين ، وانتفاع عن طريق هذه الخدمة. انتفاع يعتمد كذلك على المهارة والجهد ويتعرض في الوقت ذاته للربح والخسارة ..
والربا على الضد من هذا كله. يثقل الصناعة بالفوائد الربوية التي تضاف إلى أصل التكاليف ويثقل التجارة والمستهلك بأداء هذه الفوائد التي يفرضها على الصناعة. وهو في الوقت ذاته - كما تجلى ذلك في النظام الرأسمالي عند ما بلغ أوجه - يوجه الصناعة والاستثمار كله وجهة لا مراعاة فيها لصالح الصناعة ولا لصالح الجماهير المستهلكة وإنما الهدف الأول فيها زيادة الربح للوفاء بفوائد القروض الصناعية. ولو استهلكت الجماهير مواد الترف ولم تجد الضروريات! ولو كان الاستثمار في أحط المشروعات المثيرة للغرائز ، المحطمة للكيان الإنساني .. وفوق كل شيء .. هذا الربح الدائم لرأس المال وعدم مشاركته في نوبات الخسارة - كالتجارة - وقلة اعتماده على الجهد البشري ، الذي يبذل حقيقة في التجارة .. إلى آخر قائمة الاتهام السوداء التي تحيط بعنق النظام الربوي وتقتضي الحكم عليه بالإعدام كما حكم عليه الإسلام !.
فهذه الملابسة بين الربا والتجارة ، هي التي لعلها جعلت هذا الاستدراك - «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» يجيء عقب النهي عن أكل الأموال بالباطل. وإن كان استثناء منقطعا كما يقول النحويون!
«وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا» ..تعقيب يجيء بعد النهي عن أكل الأموال بالباطل فيوحي بالآثار المدمرة التي ينشئها أكل الأموال بالباطل في حياة الجماعة إنها عملية قتل .. يريد اللّه أن يرحم الذين آمنوا منها ، حين ينهاهم عنها! وإنها لكذلك. فما تروج وسائل أكل الأموال بالباطل في جماعة: بالربا. والغش. والقمار. والاحتكار.
والتدليس. والاختلاس. والاحتيال. والرشوة. والسرقة. وبيع ما ليس يباع: كالعرض. والذمة.
والضمير. والخلق. والدين! - مما تعج به الجاهليات القديمة والحديثة سواء - ما تروج هذه الوسائل في جماعة ، إلا وقد كتب عليها أن تقتل نفسها ، وتتردى في هاوية الدمار!
واللّه يريد أن يرحم الذين آمنوا من هذه المقتلة المدمرة للحياة ، المردية للنفوس وهذا طرف من إرادة التخفيف عنهم ومن تدارك ضعفهم الإنساني ، الذي يرديهم حين يتخلون عن توجيه اللّه ، إلى توجيه الذين يريدون لهم أن يتبعوا الشهوات!
ويلي ذلك التهديد بعذاب الآخرة ، تهديد الذين يأكلون الأموال بينهم بالباطل ، معتدين ظالمين ، تهديدهم بعذاب الآخرة بعد تحذيرهم من مقتلة الحياة الدنيا ودمارها. الآكل فيهم والمأكول فالجماعة كلها متضامنة في التبعة ومتى تركت الأوضاع المعتدية الظالمة ، التي تؤكل فيها الأموال بالباطل تروج فيها