فقد حقت عليها كلمة اللّه في الدنيا والآخرة: «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا ، فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا» .
وهكذا يأخذ المنهج الإسلامي على النفس أقطارها - في الدنيا والآخرة - وهو يشرع لها ويوجهها ويقيم من النفس حارسا حذرا يقظا على تلبية التوجيه ، وتنفيذ التشريع ويقيم من الجماعة بعضها على بعض رقيبا لأنها كلها مسؤولة وكلها نصيبها المقتلة والدمار في الدنيا ، وكلها تحاسب في الآخرة على إهمالها وترك الأوضاع الباطلة تعيش فيها .. «وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا» فما يمنع منه مانع ، ولا يحول دونه حائل ، ولا يتخلف ، متى وجدت أسبابه ، عن الوقوع!
وفي مقابل اجتناب «الكبائر» - ومنها أكل الأموال بينهم بالباطل - يعدهم اللّه برحمته ، وغفرانه ، وتجاوزه عما عدا الكبائر مراعاة لضعفهم الذي يعلمه - سبحانه - وتيسيرا عليهم ، وتطمينا لقلوبهم وعونا لهم على التحاجز عن النار باجتناب الفواحش الكبار: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ، نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ، وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا» .
ألا ما أسمح هذا الدين!
وما أيسر منهجه! على كل ما فيه من هتاف بالرفعة والسمو والطهر والنظافة ، والطاعة. وعلى كل ما فيه من التكاليف والحدود ، والأوامر والنواهي ، التي يراد بها إنشاء نفوس زكية طاهرة وإنشاء مجتمع نظيف سليم.
إن هذا الهتاف ، وهذه التكاليف ، لا تغفل - في الوقت ذاته - ضعف الإنسان وقصوره ولا تتجاوز به حدود طاقته وتكوينه ولا تتجاهل فطرته وحدودها ودوافعها ولا تجهل كذلك دروب نفسه ومنحنياتها الكثيرة.
ومن ثم هذا التوازن بين التكليف والطاقة. وبين الأشواق والضرورات. وبين الدوافع والكوابح. وبين الأوامر والزواجر. وبين الترغيب والترهيب. وبين التهديد الرعيب بالعذاب عند المعصية والإطماع العميق في العفو والمغفرة ..
إنه حسب هذا الدين من النفس البشرية أن يتم اتجاهها للّه وأن تخلص حقا في هذا الاتجاه ، وأن تبذل غاية الجهد في طاعته ورضاه .. فأما بعد ذلك .. فهناك رحمة اللّه .. هناك رحمة اللّه ترحم الضعف ، وتعطف على القصور وتقبل التوبة ، وتصفح عن التقصير وتكفر الذنب وتفتح الباب للعائدين ، في إيناس وفي تكريم ..
وآية بذل الطاقة اجتناب كبائر ما نهى اللّه عنه. أما مقارفة هذه الكبائر - وهي واضحة ضخمة بارزة لا ترتكبها النفس وهي جاهلة لها أو غير واعية!