فهي دليل على أن هذه النفس لم تبذل المحاولة المطلوبة ولم تستنفد الطاقة في المقاومة .. وحتى هذه فالتوبة منها في كل وقت مع الإخلاص مقبولة برحمة اللّه التي كتبها على نفسه .. وقد قال فيها: «والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا اللّه - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون» .. وعدهم من «المتقين» .
إنما الذي نحن بصدده هنا هو تكفير السيئات والذنوب مباشرة من اللّه ، متى اجتنبت الكبائر وهذا هو وعد اللّه هنا وبشراه للمؤمنين.
أما ما هي الكبائر .. فقد وردت أحاديث تعدد أنواعا منها - ولا تستقصيها - وذلك بدليل احتواء كل حديث على مجموعة تزيد أو تنقص مما يدل على أن هذه الأحاديث كانت تعالج حالات واقعة فتذكر من الكبائر - في كل حديث - ما يناسب الملابسة الحاضرة ، والمسلم لا يعسر عليه أن يعلم «الكبائر» من الذنوب. وإن كانت تختلف عددا ونوعا بين بيئة وبيئة ، وبين جيل وجيل!
ونذكر هنا قصة عن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - وهو المتحرج المتشدد الشديد الحساسية بالمعصية.
تبين - مع ذلك كله - كيف قوّم الإسلام حسه المرهف ، وكيف جعل الميزان الحساس يعتدل في يده ويستقيم وهو يعالج أمور المجتمع وأمور النفوس:
عن الحسن: أن ناسًا لقوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله، أمرَ أن يُعمل بها، لا يُعمل بها، فأردنا أن نلقَى أمير المؤمنين في ذلك؟ فقدم وقدموا معه، فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: متى قدمت؟ قال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف ردّ عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ ناسًا لقوني بمصر فقالوا:"إنا نرى أشياءَ من كتاب الله تبارك وتعالى، أمر أن يعمل بها ولا يعمل بها"، فأحبُّوا أن يلقوك في ذلك. فقال: اجمعهم لي. قال: فجمعتهم له = قال ابن عون: أظنه قال: في بَهْوٍ = فأخذ أدناهم رجلا فقال: أنشدكم بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال، فهل أحصيته في نفسك؟ قال، اللهم لا! = قال: ولو قال:"نعم"لخصَمَه = قال: فهل أحصيته في بصرك؟ هل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ قال: ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، فقال: ثكلتْ عمر أمُّه! أتكلِّفونه أن يقيمَ الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال: وتلا"إن تجتنبوا كبائر"