ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريمًا". هل علم أهل المدينة = أو قال هل علم أحدٌ = بما قَدِمتم؟ قالوا، لا! قال: لو علموا لوعَظْت بكم. [1] "
فهكذا كان عمر - المتحرج الشديد الحساسية - يسوس القلوب والمجتمع وقد قوّم القرآن حسه وأعطاه الميزان الدقيق .. «قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات!» ولن نكون غير ما علم ربه أن نكون!
إنما المعول عليه هو القصد والتصويب والمحاولة والرغبة في الوفاء بالالتزامات ، وبذل الجهد في هذا الوفاء .. إنه التوازن والجد واليسر والاعتدال.
وفي سياق الحديث عن الأموال ، وتداولها في الجماعة ، تجيء تكملة فيما بين الرجال والنساء من ارتباطات ومعاملات. وفيما كان من عقود الولاء وعلاقاتها بنظام التوريث العام. الذي سبق تفصيله في أوائل السورة: «ولا تتمنوا ما فضل اللّه به بعضكم على بعض .. للرجال نصيب مما اكتسبوا ، وللنساء نصيب مما اكتسبن ..
واسألوا اللّه من فضله. إن اللّه كان بكل شيء عليما. ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون. والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم. إن اللّه كان على كل شيء شهيدا ..»
والنص عام في النهي عن تمني ما فضل اللّه بعض المؤمنين على بعض .. من أي أنواع التفضيل ، في الوظيفة والمكانة ، وفي الاستعدادات والمواهب ، وفي المال والمتاع .. وفي كل ما تتفاوت فيه الأنصبة في هذه الحياة ..
والتوجه بالطلب إلى اللّه ، وسؤاله من فضله مباشرة بدلا من إضاعة النفس حسرات في التطلع إلى التفاوت وبدلا من المشاعر المصاحبة لهذا التطلع من حسد وحقد ومن حنق كذلك ونقمة ، أو من شعور بالضياع والحرمان ، والتهاوي والتهافت أمام هذا الشعور .. وما قد ينشأ عن هذا كله من سوء ظن باللّه وسوء ظن بعدالة التوزيع .. حيث تكون القاصمة ، التي تذهب بطمأنينة النفس ، وتورث القلق والنكد وتستهلك الطاقة في وجدانات خبيثة ، وفي اتجاهات كذلك خبيثة. بينما التوجه مباشرة إلى فضل اللّه ،
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (8 / 254) (9230 ) وأخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 423 ، 424 ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 145 ، وقال ابن كثير:"إسناد صحيح ومتن حسن ، وإن كانت رواية الحسن عن عمر ، وفيها انقطاع ، إلا أن مثل هذا اشتهر ، فتكفي شهرته". وقال السيوطي:"أخرج ابن جرير بسند حسن".
وقوله:"لوعظت بكم"، أي: لأنزلت بكم من العقوبة ، ما يكون عظة لغيركم من الناس. وذلك أنهم جاءوا في شكاة عاملهم على مصر ، وتشددوا ولم ييسروا ، وأرادوا أن يسير في الناس بما لا يطيقون هم في أنفسهم من الإحاطة بكل أعمال الإسلام ، وما أمرهم الله به. وذلك من الفتن الكبيرة. ولم يريدوا ظاهر الإسلام وأحكامه ، وإنما أرادوا بعض ما أدب الله به خلقه. وعمر أجل من أن يتهاون في أحكام الإسلام. وإنما قلت هذا وشرحته ، مخافة أن يحتج به محتج من ذوي السلطان والجبروت ، في إباحة ترك أحكام الله غير معمول بها ، كما هو أمر الطغاة والجبابرة من الحاكمين في زماننا هذا.