فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 491

وهو أول إعلان .. وقد تخلفت شرائع البشر الوضعية عشرات من القرون حتى ارتقت إلى بعض مستواه من ناحية النظريات القانونية ، وإن ظلت دون هذا المستوي من ناحية التطبيق العملي.

ولقد انجرف اليهود الذين ورد هذا المبدأ العظيم في كتابهم - التوراة - عنه لا فيما بينهم وبين الناس فحسب ، حيث كانوا يقولون: «لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ» بل فيما بينهم هم أنفسهم. على نحو ما رأينا فيما كان بين بني قريظة الذليلة ، وبني النضير العزيزة حتى جاءهم محمد - صلى اللّه عليه وسلم - فردهم إلى شريعة اللّه - شريعة المساواة .. ورفع جباه الأذلاء منهم فساواها بجباه الأعزاء! والقصاص على هذا الأساس العظيم - فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان - هو العقاب الرادع الذي يجعل من يتجه إلى الاعتداء على النفس بالقتل ، أو الاعتداء عليها بالجرح والكسر ، يفكر مرتين ومرات قبل أن يقدم على ما حدثته به نفسه ، وما زينه له اندفاعه وهو يعلم أنه مأخوذ بالقتل إن قتل - دون نظر إلى نسبه أو مركزه ، أو طبقته ، أو جنسه - وأنه مأخوذ بمثل ما أحدث من الإصابة. إذا قطع يدا أو رجلا قطعت يده أو رجله وإذا أتلف عينا أو أذنا أو أنفا أو سنا ، أتلف من جسمه ما يقابل العضو الذي أتلفه ..

وليس الأمر كذلك حين يعلم أن جزاءه هو السجن - طالت مدة السجن أو قصرت - فالألم في البدن ، والنقص في الكيان ، والتشويه في الخلقة شيء آخر غير آلام السجن .. على نحو ما سبق بيانه في حد السرقة ..

والقصاص على هذا الأساس العظيم - فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان - هو القضاء الذي تستريح إليه الفطرة والذي يذهب بحزازات النفوس ، وجراحات القلوب ، والذي يسكن فورات الثأر الجامحة ، التي يقودها الغضب الأعمى وحمية الجاهلية .. وقد يقبل بعضهم الدية في القتل والتعويض في الجراحات.

ولكن بعض النفوس لا يشفيها إلا القصاص ..

وشرع اللّه في الإسلام يلحظ الفطرة - كما لحظها شرع اللّه في التوراة - حتى إذا ضمن لها القصاص المريح ..

راح يناشد فيها وجدان السماحة والعفو - عفو القادر على القصاص: «فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» من تصدق بالقصاص متطوعا .. سواء كان هو ولي الدم في حالة القتل (و الصدقة تكون بأخذ الدية مكان القصاص ، أو بالتنازل عن الدم والدية معا وهذا من حق الولي ، إذ العقوبة والعفو متروكان له ويبقى للإمام تعزير القاتل بما يراه) أو كان هو صاحب الحق في حالة الجروح كلها ، فتنازل عن القصاص .. من تصدق فصدقته هذه كفارة لذنوبه يحط بها اللّه عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت