فهرس الكتاب
وكثيرا ما تستجيش هذه الدعوة إلى السماحة والعفو ، وتعليق القلب بعفو اللّه ومغفرته. نفوسا لا يغنيها العوض المالي ولا يسليها القصاص ذاته عمن فقدت أو عما فقدت .. فماذا يعود على ولي المقتول من قتل القاتل؟ أو ماذا يعوضه من مال عمن فقد؟ .. إنه غاية ما يستطاع في الأرض لإقامة العدل ، وتأمين الجماعة ..
ولكن تبقى في النفس بقية لا يمسح عليها إلا تعليق القلوب بالعوض الذي يجيء من عند اللّه ..
روى الإمام أحمد. قال: حدثنا وكيع ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي السفر ، قال: «كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار. فاستعدى عليه معاوية. فقال معاوية: سنرضيه .. فألح الأنصاري .. فقال معاوية: شأنك بصاحبك! - وأبو الدرداء جالس - فقال أبو الدرداء: سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول: «ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه اللّه به درجة ، أو حط به عنه خطيئة» .. فقال الأنصاري: «فإني قد عفوت» ..وهكذا رضيت نفس الرجل واستراحت بما لم ترض من مال معاوية الذي لوح له به للتعويض ..
وتلك شريعة اللّه العليم بخلقه وبما يحيك في نفوسهم من مشاعر وخواطر ، وبما يتعمق قلوبهم ويرضيها ويسكب فيها الاطمئنان والسلام من الأحكام.
وبعد عرض هذا الطرف من شريعة التوراة ، التي صارت طرفا من شريعة القرآن ، يعقب بالحكم العام: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» ..
والتعبير عام ، ليس هناك ما يخصصه ولكن الوصف الجديد هنا هو «الظالمون» .
وهذا الوصف الجديد لا يعني أنها حالة أخرى غير التي سبق الوصف فيها بالكفر. وإنما يعني إضافة صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل اللّه. فهو كافر باعتباره رافضا لألوهية اللّه - سبحانه - واختصاصه بالتشريع لعباده ، وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس. وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة ربهم ، الصالحة المصلحة لأحوالهم. فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة ، وتعريضها لعقاب الكفر.
وبتعريض حياة الناس - وهو معهم - للفساد.
وهذا ما يقتضيه اتحاد المسند إليه وفعل الشرط: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ» .. فجواب الشرط الثاني يضاف إلى جواب الشرط الأول ويعود كلاهما على المسند إليه في فعل الشرط وهو «من» المطلق العام.
ثم يمضي السياق في بيان اطراد هذا الحكم العام فيما بعد التوراة.«وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ. وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ ، وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ ،