فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 491

وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ. وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» ..

فقد آتى اللّه عيسى بن مريم الإنجيل ، ليكون منهج حياة ، وشريعة حكم .. ولم يتضمن الإنجيل في ذاته تشريعا إلا تعديلات طفيفة في شريعة التوراة. وقد جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة ، فاعتمد شريعتها - فيما عدا هذه التعديلات الطفيفة .. وجعل اللّه فيه هدى ونورا ، وهدى وموعظة .. ولكن لمن؟ .. «للمتقين» .

فالمتقون هم الذين يجدون في كتب اللّه الهدى والنور والموعظة ، هم الذين تتفتح قلوبهم لما في هذه الكتب من الهدى والنور وهم الذين تتفتح لهم هذه الكتب عما فيها من الهدى والنور .. أما القلوب الجاسية الغليظة الصلدة ، فلا تبلغ إليها الموعظة ولا تجد في الكلمات معانيها ولا تجد في التوجيهات روحها ولا تجد في العقيدة مذاقها ولا تنتفع من هذا الهدى ومن هذا النور بهداية ولا معرفة ولا تستجيب .. إن النور موجود ، ولكن لا تدركه إلا البصيرة المفتوحة ، وإن الهدى موجود ، ولكن لا تدركه إلا الروح المستشرفة ، وإن الموعظة موجودة ، ولكن لا يلتقطها إلا القلب الواعي.

وقد جعل اللّه في الإنجيل هدى ونورا وموعظة للمتقين ، وجعله منهج حياة وشريعة حكم لأهل الإنجيل ..

أي إنه خاص بهم ، فليس رسالة عامة للبشر - شأنه في هذا شأن التوراة وشأن كل كتاب وكل رسالة وكل رسول ، قبل هذا الدين الأخير - ولكن ما طابق من شريعته - التي هي شريعة التوراة - حكم القرآن فهو من شريعة القرآن. كما مر بنا في شريعة القصاص.

وأهل الإنجيل كانوا إذن مطالبين أن يتحاكموا إلى الشريعة التي أقرها وصدقها الإنجيل من شريعة التوراة: «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ» .

فالقاعدة هي الحكم بما أنزل اللّه دون سواه. وهم واليهود كذلك لن يكونوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل - قبل الإسلام - وما أنزل إليهم من ربهم - بعد الإسلام - فكله شريعة واحدة ، هم ملزمون بها ، وشريعة اللّه الأخيرة هي الشريعة المعتمدة: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» ..

والنص هنا كذلك على عمومه وإطلاقه .. وصفة الفسق تضاف إلى صفتي الكفر والظلم من قبل. وليست تعني قوما جددا ولا حالة جديدة منفصلة عن الحالة الأولى. إنما هي صفة زائدة على الصفتين قبلها ، لاصقة بمن لم يحكم بما أنزل اللّه من أي جيل ، ومن أي قبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت