فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 491

الانجليزية. غير أن لفظة (الجهاد) أبلغ منها تأثيرا ، وأكثر منها إحاطة بالمعنى المقصود. فما الذي أفضى بالإسلام إلى أن يختار هذه الكلمة الجديدة ، صارفا بوجهه عن الكلمات القديمة الرائجة؟ الذي أراه وأجزم به أنه ليس لذلك إلا سبب واحد: وهو أن لفظة «الحرب» كانت ولا تزال تطلق على القتال الذي يشب لهيبه وتستعر ناره بين الرجال والأحزاب والشعوب لمآرب شخصية وأغراض ذاتية.

والغايات التي ترمي إليها أمثال هذه الحروب لا تعدو أن تكون مجرد أغراض شخصية أو اجتماعية ، لا تكون فيها رائحة لفكرة أو انتصار لمبدأ. وبما أن القتال المشروع في الإسلام ليس من قبيل هذه الحروب ، لم يكن له بد من ترك هذه اللفظة (الحرب) البتة. فإن الإسلام لا ينظر إلى مصلح أمة دون أمة ، ولا يقصد إلى النهوض بشعب دون شعب وكذلك لا يهمه في قليل ولا كثير أن تملك الأرض وتستولي عليها هذه المملكة أو تلك وإنما تهمه سعادة البشر وفلاحهم. وله فكرة خاصة ومنهاج عملي مختار لسعادة المجتمع البشري والصعود به إلى معارج الفلاح. فكل حكومة مؤسسة على فكرة غير هذه الفكرة ، ومنهاج غير هذا المنهاج ، يقاومها الإسلام ، ويريد أن يقضي عليها قضاء مبرما ولا يعنيه في شيء بهذا الصدد أمر البلاد التي قامت فيها تلك الحكومة غير المرضية ، أو الأمة التي ينتمي إليها القائمون بأمرها. فإن غايته استعلاء فكرته ، وتعميم منهاجه ، وإقامة الحكومات وتوطيد دعائمها على أساس هذه الفكرة وهذا المنهاج ، بصرف النظر عمن يحمل لواء الحق والعدل بيده ومن تنتكس راية عدوانه وفساده! والإسلام يتطلب «الأرض» ، ولا يقنع بقطعة أو جزء منها وإنما يتطلب ويستدعي المعمورة الأرضية كلها. ولا يتطلبها لتستولي عليها وتستبد بمنابع ثروتها أمة بعينها بعد ما تنتزع من أمة أو أمم شتى ، بل يتطلبها الإسلام ويستدعيها ليتمتع الجنس البشري بأجمعه بفكرة السعادة البشرية ومنهاجها العملي اللذين أكرمه اللّه بهما ، وفضله بهما على سائر الأديان والشرائع. وتحقيقا لهذه الغاية السامية يريد الإسلام أن يستخدم جميع القوى والوسائل التي يمكن استخدامها لإحداث انقلاب علمي شامل ويبذل الجهد المستطاع للوصول إلى هذه الغاية العظمى ويسمي هذا الكفاح المستمر ، واستنفاد القوى البالغ واستخدام شتى الوسائل المستطاعة «بالجهاد» . فالجهاد كلمة جامعة تشتمل جميع أنواع السعي وبذل الجهد.

وإذا عرفت هذا فلا تعجب إذا قلت: إن تغيير وجهات أنظار الناس وتبديل ميولهم ونزعاتهم ، وإحداث انقلاب عقلي وفكري بواسطة مرهفات الأقلام نوع من أنواع الجهاد ، كما أن القضاء على نظم الحياة العتيقة الجائرة بحد السيوف ، وتأسيس نظام جديد على قواعد العدل والنصفة أيضا من أصناف الجهاد. وكذلك بذل الأموال ، وتحمل المشاق ، ومكابدة الشدائد أيضا فصول وأبواب مهمة من كتاب «الجهاد» العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت