فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 491

«لكن الجهاد الإسلامي ليس بجهاد لا غاية له وإنما هو الجهاد في سبيل اللّه وقد لزمه هذا الشرط لا ينفك عنه أبدا. وذلك أيضا من الكلمات التي اصطلح عليها الإسلام لتبيين فكرته وإيضاح تعاليمه ، كما أشرت إليه آنفا. وقد انخدع كثير من الناس بمدلوله اللغوي الظاهر ، وحسبوا أن إخضاع الناس لعقيدة الإسلام وإكراههم على قبولها هو «الجهاد في سبيل اللّه» وذلك أن ضيق صدورهم وعدم اتساع مجال تفكيرهم يعوقهم أن يسموا بأنفسهم فوق ذلك ويحلقوا في سماء أوسع من سمائهم. لكن الحق أن «سبيل اللّه» في المصطلح الإسلامي أرحب وأوسع بكثير مما يتصورون ، وأسمى غاية وأبعد مراما مما يظنون ويزعمون ..

«فالذي يتطلبه الإسلام أنه إذا قام رجل ، أو جماعة من المسلمين ، تبذل جهودها ، وتستنفد مساعيها للقضاء على النظم البالية الباطلة ، وتكوين نظام جديد حسب الفكرة الإسلامية ، فعليها أن تكون مجردة عن كل غرض ، مبرأة من كل هوى أو نزعة شخصية ، لا تقصد من وراء جهودها ، وما تبذل في سبيل غايتها من النفوس والنفائس إلا تأسيس نظام عادل يقوم بالقسط والحق بين الناس ، ولا تبتغي بها بدلا في هذه الحياة الفانية ، ولا يكون من هم الإنسان خلال هذا الكفاح المستمر والجهاد المتواصل لإعلاء كلمة اللّه أن ينال جاها وشرفا أو سمعة وحسن أحدوثة ، ولا يخطرن بباله أثناء هذه الجهود البالغة والمساعي الغالية أن يسمو بنفسه وعشيرته ، ويستبد بزمام الأمر ، ويتبوأ منصب الطواغيت الفجرة ، بعد ما يعزل غيره من الجبابرة المستكبرين عن مناصبهم. وها هو ذا القرآن الكريم ينادي بملء صوته:

«الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ» ... (النساء: 76) ... «وقد تضمنت الآية الكريمة: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» ... (البقرة: 21) «لباب هذه الدعوة ، دعوة الإسلام الانقلابية ، وجوهرها. فإنه لا يخاطب سكان هذه الكرة باسم العمال ، أو الفلاحين ، أو الملاكين ، أو المتمولين من أصحاب المعامل والمصانع ، ولا يسميهم بأسماء أحزابهم وطبقاتهم.

وإنما يخاطب الإسلام بني آدم كافة. ولا يناديهم كذلك إلا بصفة كونهم أفراد الجنس البشري ، فهو يأمرهم أن يعبدوا اللّه وحده ولا يشركوا به شيئا ، ولا يتخذوا إلها ولا ربا غيره. وكذلك يدعوهم ألا يعتوا عن أمر ربهم ، ولا يستنكفوا عن عبادته ، ولا يتكبروا في أرض اللّه بغير الحق ، فإن الحكم والأمر للّه وحده ، وبيده مقاليد السماوات والأرض فلا يجوز لأحد من خلقه ، كائنا من كان ، أن يعلو في الأرض ويتكبر ، ويقهر الناس حتى يخضعوا له ويذعنوا لأمره وينقادوا لجبروته. ودعوته لهم جميعا أن يخلصوا دينهم للّه وحده فيكونوا سواء في هذه العبودية الشاملة ، كما ورد في التنزيل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت