فهرس الكتاب
تُفْلِتُوا مِنْ حُكْمِ سُنَنِهِ وَوَعْدِهِ لِرُسُلِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَهَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِأَنَّهُ نَبَأٌ عَنِ الْغَيْبِ ، الَّذِي لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ إِلَّا بِوَحْيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ الْبِشَارَةَ مَا يُؤَثِّرُ فِي الْبَشَرَةِ مِنَ الْأَنْبَاءِ ، إِمَّا بِالتَّهَلُّلِ ، وَإِشْرَاقِ الْوَجْهِ وَهُوَ السُّرُورُ الَّذِي تَنْبَسِطُ فِيهِ أَسَارِيرُ الْجَبْهَةِ وَتَتَمَدَّدُ ، وَإِمَّا بِالْعُبُوسِ وَالْبُسُورِ ، وَتَقْطِيبِ الْوَجْهِ مِنَ الْكَدَرِ أَوِ الْحُزْنِ أَوِ الْخَوْفِ . وَغَلَبَ فِي الْأَوَّلِ حَتَّى ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِ ، وَأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِيمَا يَسُوءُ وَيُكَدِّرُ إِنَّمَا يُقَالُ مِنْ بَابِ التَّهَكُّمِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَبَرَّأَ مِنْ عُهُودِهِمْ ، وَأَمَرَ بِوَعِيدِهِمْ وَتَهْدِيدِهِمْ ، وَضَرَبَ لَهُمْ مَوْعِدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، مَنْ حَافَظُوا عَلَى عَهْدِهِمْ بِالدِّقَّةِ التَّامَّةِ وَالْإِخْلَاصِ فَقَالَ: إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ ضَرْبِ مُدَّةِ التَّأْجِيلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِمَنْ لَهُ عَهْدٌ مُطْلَقٌ لَيْسَ بِمُؤَقَّتٍ ، فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ يَذْهَبُ فِيهَا ، لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ حَيْثُ شَاءَ إِلَّا مَنْ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ فَأَجَلُهُ إِلَى مُدَّتِهِ الْمَضْرُوبَةِ الَّتِي عُوهِدَ عَلَيْهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ الْمَضْرُوبَةِ . وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَلَّا يَنْقُضَ الْمُعَاهِدُ عَهْدَهُ ، وَلَمْ يُظَاهِرْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، أَيْ يُمَالِئْ عَلَيْهِمْ مَنْ سِوَاهُمْ ، فَهَذَا الَّذِي يُوَفَّى لَهُ بِذِمَّتِهِ ، وَعَهْدِهِ إِلَى مُدَّتِهِ اهـ .
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللهُ تَعَالَى بَنُو ضَمْرَةَ وَحَيٌّ مِنْ كِنَانَةَ ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هَؤُلَاءِ بَنُو ضَمْرَةَ وَبَنُو مُدْلِجٍ ، حَيَّانِ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ ، كَانُوا حُلَفَاءَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ مَنْ بَنِي تَبِيعٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ لَبَنِي مُدْلِجٍ وَخُزَاعَةَ عَهْدٌ ، فَهُوَ الَّذِي قَالَ اللهُ: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ: هُمْ بَنُو خُزَيْمَةَ بْنِ عَامِرٍ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنَانَةَ . وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: هُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ عَاهَدَهُمُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّتِهِمْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَأُمِرَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ هَذَا إِلَى مُدَّتِهِمْ ، ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ . وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ عَامٌّ ، وَتَعْيِينُ الْمُرَادِ مِنْهُ بِأَسْمَاءِ الْقَبَائِلِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَمَلٌ بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمَانِ .
وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ مِنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ مَا دَامَ الْعَهْدُ مَعْقُودًا ، وَعَلَى أَنَّ الْعَهْدَ الْمُؤَقَّتَ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ إِلَّا بِانْتِهَاءِ وَقْتِهِ ، وَأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِ عَلَيْنَا مُحَافَظَةُ الْعَدُوِّ الْمُعَاهِدِ لَنَا عَلَيْهِ بِحَذَافِيرِهِ ، مِنْ نَصِّ الْقَوْلِ وَفَحْوَاهُ وَلَحْنِهِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُمَا فِي هَذَا الْعَصْرِ بِرُوحِهِ ، فَإِنْ نَقَضَ شَيْئًا مَا مِنْ شُرُوطِ الْعَهْدِ ، وَأَخَلَّ بِغَرَضٍ مَا مِنْ أَغْرَاضِهِ عُدَّ نَاقِضًا لَهُ ، إِذْ قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَفْظُ شَيْءٍ أَعَمُّ الْأَلْفَاظِ ، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ، فَيَصْدُقُ بِأَدْنَى إِخْلَالٍ بِالْعَهْدِ ، وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ"يَنْقُضُوكُمْ"بِالضَّادِ