فهرس الكتاب
الْمُعْجَمَةِ ، وَالْمُهْمَلَةُ أَبْلَغُ - وَمِنَ الضَّرُورِيِّ أَنَّ مِنْ شُرُوطِهِ الَّتِي يَنْتَقِضُ بِالْإِخْلَالِ بِهَا عَدَمُ مُظَاهَرَةِ أَحَدٍ مِنْ أَعْدَائِنَا وَخُصُومِنَا عَلَيْنَا ، وَقَدْ صُرِّحَ بِهَذَا لِلِاهْتِمَامِ بِهِ ، وَإِلَّا فَهُوَ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ مَا قَبْلَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَرَضَ الْأَوَّلَ مِنَ الْمُعَاهَدَاتِ تَرْكُ قِتَالِ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ الْمُتَعَاهِدَيْنِ لِلْآخَرِ ، وَحُرِّيَّةُ التَّعَامُلِ بَيْنَهُمَا ، فَمُظَاهَرَةُ أَحَدِهِمَا لِعَدُوِّ الْآخَرِ ، أَيْ مُعَاوَنَتُهُ وَمُسَاعَدَتُهُ عَلَى قِتَالِهِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، كَمُبَاشَرَتِهِ لِلْقِتَالِ وَغَيْرِهِ بِنَفْسِهِ ، يُقَالُ: ظَاهَرَهُ إِذَا عَاوَنَهُ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ (33: 26) وَظَاهَرَهُ عَلَيْهِ إِذَا سَاعَدَهُ عَلَيْهِ . وَتَظَاهَرُوا عَلَيْهِمْ تُعَاوِنُوا وَكُلُّهُ مِنَ الظَّهْرِ الَّذِي يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْقُوَّةِ ، وَمِنْهُ بَعِيرٌ ظَهِيرٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الظُّهُورِ .
إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ أَيْ: لِنَقْضِ الْعُهُودِ وَإِخْفَارِ الذِّمَمِ ، وَلِسَائِرِ الْمَفَاسِدِ الْمُخِلَّةِ بِالنِّظَامِ وَالْعَدْلِ الْعَامِّ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي تَنْفِيذِ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْبَرَاءَةِ وَالْأَذَانِ بِهَا - أَيِ التَّبْلِيغِ الْعَامِّ الْعَلَنِيِّ لَهَا - أَحَادِيثُ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ ، وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْخِلَافِ وَالتَّعَارُضِ نَقْتَصِرُ عَلَى أَمْثَلِهَا وَأَثْبَتِهَا ، وَمَا يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَيُزِيلُ تَعَارُضَهَا . فَجُمْلَةُ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ جَعَلَ أَبَا بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُبَلِّغَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الْحَجَّ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِيُبَلِّغَهُمْ عَنْهُ نَبْذَ عُهُودِهِمُ الْمُطْلَقَةِ ، وَإِعْطَاءَهُمْ مُهْلَةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، لِيَنْظُرُوا فِي أَمْرِهِمْ ، وَأَنَّ الْعُهُودَ الْمُؤَقَّتَةَ أَجَلُهَا نِهَايَةُ وَقْتِهَا . وَيَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الْآيَاتِ الْمُتَضَمِّنَةَ لِمَسْأَلَةِ نَبْذِ الْعُهُودِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ وَهِيَ 40 أَوْ 33 آيَةً ، وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنَ التَّرَدُّدِ بَيْنَ 30 و40 فَتَعْبِيرٌ بِالْأَعْشَارِ ، مَعَ إِلْغَاءِ كَسْرِهَا مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّ الْعُهُودَ وَنَبْذَهَا إِنَّمَا تَكُونُ مِنْ عَاقِدِهَا أَوْ أَحَدِ عَصَبَتِهِ الْقَرِيبَةِ ، وَأَنَّ عَلِيًّا كَانَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ إِمَارَةِ الْحَجِّ لِأَبِي بَكْرٍ الَّذِي كَانَ يُسَاعِدُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَأْمُرُ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَأَبِي هُرَيْرَةَ بِمُسَاعَدَتِهِ .
أَمَّا الشَّيْخَانِ فَقَدْ أَخْرَجَا فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ ، وَكَرَّرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كُتُبِ الطَّهَارَةِ وَالْحَجِّ وَالْجِزْيَةِ وَالْمَغَازِي وَالتَّفْسِيرِ ، فَنَذْكُرُ لَفْظَهُ فِي تَفْسِيرِ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ الْآيَةَ . عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ . قَالَ حُمَيْدٌ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِـ (بَرَاءَةٌ) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِـ (بَرَاءَةٌ) وَأَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ اهـ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ مَا نَصُّهُ: هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَمَلَ قِصَّةَ تَوَجُّهِ عَلِيٍّ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ