فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 491

وهو التصور الإسلامي الشامل الكامل ، يستقر في النفس من وراء الأحداث ، والتعقيب المنير على هذه الأحداث.

وتمخضت المعركة والتعقيب عليها عن حقيقة أساسية كبيرة عن طبيعة النفس البشرية وطبيعة الفطرة الإنسانية ، وطبيعة الجهد البشري ، ومدى ما يمكن أن يبلغه في تحقيق المنهج الإلهي:

إن النفس البشرية ليست كاملة - في واقعها - ولكنها في الوقت ذاته قابلة للنمو والارتقاء ، حتى تبلغ أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض.

وها نحن أولاء نرى قطاعا من قطاعات البشرية - كما هو وعلى الطبيعة - ممثلا في الجماعة التي تمثل قمة الأمة التي يقول اللّه عنها: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» .. وهم أصحاب محمد - صلى اللّه عليه وسلم - المثل الكامل للنفس البشرية على الإطلاق .. فماذا نرى؟ نرى مجموعة من البشر ، فيهم الضعف وفيهم النقص ، وفيهم من يبلغ أن يقول اللّه عنهم: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ» . ومن يبلغ أن يقول اللّه عنهم: «حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ، وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ» .. وفيهم من يقول اللّه عنهم: «إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ، وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» .. وفيهم من ينهزم وينكشف ، وتبلغ منهم الهزيمة ما وصفه اللّه سبحانه بقوله: «إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ. فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ» ..

وكل هؤلاء مؤمنون مسلمون ولكنهم كانوا في أوائل الطريق. كانوا في دور التربية والتكوين. ولكنهم كانوا جادين في أخذ هذا الأمر ، مسلمين أمرهم للّه ، مرتضين قيادته ، ومستسلمين لمنهجه. ومن ثم لم يطردهم اللّه من كنفه ، بل رحمهم وعفا عنهم وأمر نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يعفو عنهم ، ويستغفر لهم ، وأمره أن يشاورهمفي الأمر ، بعد كل ما وقع منهم ، وبعد كل ما وقع من جراء المشورة! نعم إنه - سبحانه - تركهم يذوقون عاقبة تصرفاتهم تلك ، وابتلاهم ذلك الابتلاء الشاق المرير .. ولكنه لم يطردهم خارج الصف ، ولم يقل لهم: إنكم لا تصلحون لشيء من هذا الأمر ، بعد ما بدا منكم في التجربة من النقص والضعف .. لقد قبل ضعفهم هذا ونقصهم ، ورباهم بالابتلاء ، ثم رباهم بالتعقيب على الابتلاء ، والتوجيه إلى ما فيه من عبر وعظات. في رحمة وفي عفو وفي سماحة كما يربت الكبير على الصغار وهم يكتوون بالنار ، ليعرفوا ويدركوا وينضجوا. وكشف لهم ضعفهم ، ومخبآت نفوسهم ، لا يفضحهم بها ، ويرذلهم ، ويحقرهم ، ولا ليرهقهم ويحملهم ما لا يطيقون له حملا. ولكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت