فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 491

ليأخذ بأيديهم ، ويوحي إليهم أن يثقوا بأنفسهم ولا يحتقروها ولا ييأسوا من الوصول ما داموا موصولين بحبل اللّه المتين.

ثم وصلوا .. وصلوا في النهاية ، وغلبت فيهم النماذج التي كانت في أول المعركة معدودة. وإذا هم في اليوم التالي للهزيمة والقرح ، يخرجون مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - غير هيّابين ولا مترددين ولا وجلين من تخويف الناس لهم حتى استحقوا تنويه اللّه بهم: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ، فَزادَهُمْ إِيمانًا ، وَقالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ..

ولما كبروا بعد ذلك شيئا فشيئا .. تغيرت معاملتهم ، وحوسبوا كما يحاسب الرجال الكبار. بعد ما كانوا يربتون هنا كما يربت الأطفال! والذي يراجع غزوة تبوك في سورة براءة ومؤاخذة اللّه ورسوله للنفر القلائل المتخلفين ، تلك المؤاخذة العسيرة ، يجد الفرق واضحا في المعاملة ويجد الفرق واضحا في مراحل التربية الإلهية العجيبة. كما يجد الفارق بين القوم يوم أحد ، والقوم يوم تبوك .. وهم هم .. ولكن بلغت بهم التربية الإلهية هذا المستوي السامق .. ولكنهم مع هذا ظلوا بشرا. وظل فيهم الضعف ، والنقص ، والخطأ.

ولكن ظل فيهم كذلك الاستغفار والتوبة والرجوع إلى اللّه.

إنها الطبيعة البشرية التي يحافظ عليها هذا المنهج ولا يبدلها أو يعطلها ، ولا يحملها ما لا تطيق. وإن بلغ بها أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض.

وهذه الحقيقة ذات قيمة كبيرة في إعطاء الأمل الدائم للبشرية ، لتحاول وتبلغ ، في ظل هذا المنهج الفريد.

فهذه القمة السامقة التي بلغتها تلك الجماعة ، إنما بدأت تنهد إليها من السفح الذي التقطها منه. وهذه الخطى المتعثرة في الطريق الشاق زوالتها جماعة بشرية متخلفة في الجاهلية. متخلفة في كل شيء. على النحو الذي عرضنا نماذج منه في سياق هذا الدرس .. وكل ذلك يعطي البشرية أملا كبيرا في إمكان الوصول إلى ذلك المرتقى السامي ، مهما تكن قابعة في السفح. ولا يعزل هذه الجماعة الصاعدة ، فيجعلها وليدة معجزة خارقة لا تتكرر. فهي ليست وليدة خارقة عابرة. إنما هي وليدة المنهج الإلهي ، الذي يتحقق بالجهد البشري ، في حدود الطاقة البشرية - والطاقة البشرية كما نرى قابلة للكثير! هذا المنهج يبدأ بكل جماعة من النقطة التي هي فيها ، ومن الواقع المادي الذي هي فيه. ثم يمضي بها صعدا كما بدأ بتلك الجماعة من الجاهلية العربية الساذجة .. من السفح .. ثم انتهى بها في فترة وجيزة لم تبلغ ربع قرن من الزمان ، إلى ذلك الأوج السامق ..

شرط واحد لا بد أن يتحقق .. أن تسلم الجماعات البشرية قيادها لهذا المنهج. أن تؤمن به. وأن تستسلم له. وأن تتخذه قاعدة حياتها ، وشعار حركتها ، وحادي خطاها في الطريق الشاق الطويل ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت