فهرس الكتاب
والصفات، لم تترسخ في قلب المرء، ولم يستشعرها كما هي .. ، يعني لمّا إنسان يزني، ففي هذا الحال، نسي أن الله يراه، ونسي أن الله يسمع، ونسي مخافة الله، ونسي غيرة الله - لأن الله يغار - [1] فنسي هذه الأسماء والصفات. إذن هو جهل ربه .. ، فكلَّما عرف الإنسان ربه، وكلما تَعَرَّف بصفة من صفات الله، ينبغي أن يتعامل مع هذه الصفة، - كيف؟ - بطاعة الأمر .. ، فلذلك من هنا، أستطيع أن أقول: «أن كثيرًا من الصحابة، كان يكتشف بعض الأوامر، قبل نزولها، لأنه يعرف ربه» .. ، فالقضية، أن الصحابي يعرف الله، فيقول أن الله، صفاته كذا، ومن مستلزمات صفات الله أن يكون التشريع - في هذا الأمر - كذا ..
ولذلك، وافق عمر رضي الله عنه، ربه في كثير من القضايا. [2] لأنه يعرف ربه. مثلًا عندما قال: نساء المسلمين ينبغي أن يمسكن في بيوتهن، ما يخرجن، وينبغي أن ينزل الحجاب .. ، ما هو الدافع له في الحقيقة؟ معرفته لربه .. ، أنظروا إلى شفافية القلوب في التعامل مع الله، الأدران راحت، والقلب فطري، والفطرة هي أصل الخلقة، وهو أصل قضية التعامل من غير غبش، فالقضية معروفة لديه، فيكتشف الأمر .. ، أنظروا إلى هذه الحالة .. الذي (لو كان بعدي نبي لكان عمربن الخطاب) [3] . ومحدَّث ومُلهَم - رضي الله عنه - ويقول:"يا رسول الله لو اتخذت من مقام ابراهيم مصلى"، فينزل الآية وتوافقه .. ، هذه قدرةٌ عجيبة! .. ، الحقيقة، يعني الصحابة عظماء لمّا عبدوا الله، لكن كذلك عظماء بقلوبهم، وعظماء بعقولهم،. أن هذا الصحابي استطاع.، ما تسطيع أنت، ما تستطيع أن تضعه في الفيزياء أو الكيمياء .. ، أنه نظر، فَقَلْبُه عَلِمَ أنَّ مقام ابراهيم مقامٌ عظيم، والمقام العظيم ينبغي أن تكون فيه عبادة لله .. ، لماذا شُرِعت العبادات في أماكن مخصوصة، أو أوقات مخصوصة؟ لأن هذه الأماكن والأوقات عظيمة .. المسجد الأقصى عظيم والمسجد الحرام عظيم، المسجد النبوي عظيم، ولهذا، شرعت فيهم العبادات، الرمضان عظيم عند الله، فشرع فيه الصيام ..
أنظروا كيف استشعر عمر بعظمة هذا المكان - مقام ابراهيم - فعلم أنه ينبغي أن يكون عظمة هذا المكان القدرية، توافق أمرًا تشريعيًا .. ، هذا القلب عجيب عندما ينوِّر بنور الله .. ولذلك كثير من الصحابة أفتوا بفتاوى وأمور، من قبيل الإجتهاد والرأي، ثم كان هذه الأقوال وهذه الفتاوى موافقة - قبل أن يسمعوا كلام الله -، موافقة حقًا لِمَا عليه حكم الله .. [4]
(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:"إن الله عزوجل يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه". متفق عليه.
(2) ثبت في الصحيحين، أن عمربن الخطاب رضي الله عنه قال:"وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام اباهيم مصلَّي؟ فأنزل الله: (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلَّي) البقرة 125. وقلت: يارسول الله، إن نساءک يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لازواج النبي صلي الله عليه وسلم لما تمالأن عليه في الغيرة: (عسي ربه إن طلقکن أن يبدله أزواجًا خيرًا منکن) التحرريم 5 .. فنزلت کذلک". وفي رواية لمسلم، ذکر أساري بدر، وهي قضية رابعة.
(3) أخرجه أحمد (17441) والترمذي (3686) . حسنه الأرناؤوط في تحقيق المسند والألباني في السلسلة الصحيحة (327) .
(4) عن ابن عباس رضي الله عنهما:"أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:؟ «الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ فَقَالَ هِلَالٌ: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ» ! فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ} (النور 6 - 9) .."الحديث. {بخاري 2761 - 4747 - 5307} و {أبوداوود 2254} .
ومن الأمثلة الأخري لهذا الموضوع، حادثة أسري بني قريظة، لما نزلت بنو قريظة علي حکم سعد بن معاذ رضي الله عنه، حکم سعد بن معاذ فيهم، بأن يقتل رجالهم وأن يسبي ذراريهم. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم (لقد حکمت فيهم بحکم الله) . {انظر صحيح البخاري. باب إذا نزل العدو علي حکم رجل} .