نحن قلنا أيُّ واجب من واجبات الإيمان، هو إيمان، وتركه كفر، لكن هناك نقطةٌ ضروريةٌ، هل كل معصيةٍ من الكبائر تسمّى في الشريعة كفرًا؟ بمعني، الآن قلنا، كلّ واجبٍ من واجبات الإيمان - أو كل طاعة - هو إيمانٌ. في النهاية، هذا يؤدي إلى أن كل معصيةٍ، - علينا أن نسميها كفرًا؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأننا يجب علينا أن نتقيد في المصطلحات الشرعية، بما ورد في الشريعة .. ، نحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:) سباب المسلم فسوقٌ وقتاله كفر). [1] فنحن نعتقد أن سباب المسلم، كبيرة من الكبائر، ومعصية من المعاصي، ومع ذلك لم يسميها النبي صلى الله عليه وسلم كفرًا. وإنما سماها فسقًا .. وجعل قتال المؤمن، كفرًا .. ربما في القاعدة الأولي، أن كل معصيةٍ من الكبائر هي كفر، - نستطيع أن نقول هذا - و لكن لماذا وُضِعَ هذا، مقابل هذا؟ لنرى التفريق، حتّى يبَين النبي صلى الله عليه وسلم، التفريق مابين سباب المسلم وبين قتاله، فإن قتال المسلم مقابل سباب المسلم، كفرٌ مقابل فسق، وإن كان هذا - أي سباب المسلم - في الحقيقة كفرًا، أي كفر أصغر .. ، إذن لابدّ في تسمية المعاصي، من التقيد بالنصوص الشرعية، [2] وإن كان في الأصل والقاعدة، صحيح أن نُسَمِّيَ جميع المعاصي كفرًا ..
كيف نعرف في الحديث، الكفر الأكبر من الكفر الأصغر؟ كيف نقول هذا كفرٌ أكبر وهذا كفرٌ أصغر؟
كيف المعرفة؟
أولًا: بالنص .. أو بما يسمَّى بدلالة النص .. ، ما هو دلالة النص؟ إسمعوا إلى قول ابن مسعود رضي الله عنه، عندما يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:"الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك - يقول ابن مسعود - وما منا إلّا .. ، ولكن الله يذهبه بالتوكل". [3]
قول ابن مسعود:"وما منا إلا ..".. أي وما منا إلا ويقع في قلبه شيءٌ من التطير .. ، فهذا يدل على أنه شرك أصغر ..
(1) متفق عليه (بخاري 48 - مسلم 64) .
(2) مما يدل علي هذا القول، قوله تعالي: (ولکن الله حبب إليکم الإيمان، وکره الکفر والفسوق والعصيان) الحجرات 7. حيث نري في هذه الآية، أن الله تعالي ذکر الإيمان وقابله بأسماء"الکفر والفسوق والعصيان". أي لم يسمِّ جميع المعاصي کفرًا، کما سمَّي جميع الطاعات إيمانًا. والله اعلم.
(3) مسند أحمد (3687) وسنن أبي داود (3411) وسنن ابن ماجه (3528) . صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (429) .