فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 224

توجهه في هذا الزمان، ولديه على كل طريق هاد وعلامات وصورة وإشارات تبين له وتهده ومع ذلك لا يأتي بخير!، و"الكلمة"، فقط كانت في زمن الأوائل تأتي بكل خير، كلمة طيبة تؤتى ثمارها كل حين بإذن ربها ..

قد يقول لنا قائل، السبب هو الهوي، لكن - نقول - أكان نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاليًا من الهوي؟ أيخلى الإنسان قط من الهوي؟ أبدًا. [1]

ومن مصائب الصوفية، ومن ضلالات الصوفية، أنهم صوروا الإنسان على أنه قد يترقى فيخرج من نفسه ومن هواه ومن أرادته، يعني مراتب الصوفيه إذا قرأتم كتبهم، أنهم يصورون وليًا من أولياء الله .. ، من هو الولى عندهم؟ هوالذي لا تخطر على قلبه خطرات المعاصى ولا الهوى ولا رغبات النفس!

هذه، صورة الولي لديهم! لكن إذا رجعت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيهم من خير عظيم، إلا أنك تجد فيهم حركات الإنسان، التي تختلف فيها الطبائع، يختلف فيها البشرية، ولذلك أنا أدعو إلى هذا الموضوع - على الهامش -، وهو، أن من الأمور التي لابدّ أن نبينها، أنا لا أدعو أى أحد، بل أنفر من أن يقرأ إنسان كتب المتأخرين الداعية إلى طبقات الأولياء وإلى خصال البشر الصالحين .. ، لما يقرأ المسلم المعاصر الأن .. - وهذه أدت إلى المساوئ الخطيرة في مجتماعتنا وفي شبابنا، وفي جماعتنا -؛ لما يأتي المسلم ويذهب يقرأ مناقب الإمام أحمد بن حنبل - على سبيل المثال - و يقرأ خصاله، فهو لا يرى إلا إنسانا لا شبهة فيه ولا شبهة فيه أبدا، إنسان يقوم الليل، يصوم النهار، ليس له إلا العلم، لا يتحرك .. لا تذكر فيه حركات الإنسان العادية، لا تذكر من خصاله أنه يجلس مع إبنه وأنه قد يخاصم زوجته، وقد تبغض عليه زوجته فتؤذيه، وأنه قد يغضب وينسى نفسه فيرد عليها الكلمة بالكلمة، وقد يخاصم صديقه على بيع عقار، أو على بيع أرض أو ما شابه ذلك أو في تجارة مال و .. ، لا تذكر هذه الخصال، لا تذكر إلا نموذج لا يكاد يوجد إلا في الخيال، لا تذكر حركة الإنسان العادية ..

فلما يقرأ المسلم هذه الخصال، ثم يدخل في جماعة من جماعات المسلمين أو في عمل من أعمال المسلمين فيرى حركة الإنسان الطبيعي، بماذا يصاب؟ بالإحباط، وأنه لا يرى على وجه الأرض رجلا يستحق أن يسمى وليًا أو رجلًا يستحق أن يسمى صالحًا، ولذلك إما أن تسقط قيمة الدين لديه بحيث يقول - يقول العوام ويقول المشايخ - .. ؛ الآن إذا أراد الإنسان أن يتكلم عن الدين، يقال له - حتّى الشيخ يقول له: أيش؟ أتريد أن أكون مثل الصحابة؟ أو، هل يمكن أن نكون مثل الأوائل؟ .. أو حتّى إذا جئت بأمر للناس تأمرهم به، يقولون لك، هذه الأوامر للصحابة، ليست لنا، لا نستطيعها نحن ..

إذن، إما أن تسقط التكاليف لديه بحجة أننا لسنا مثلهم، أو يصاب بحالة نفورٍ من البشر ومن الناس بحيث يعتزل ويصبح مريضًا نفسيا.

(1) راجع کتاب (دراسات في النفس الإنسانية) للشيخ محمد قطب حفظه الله، فإنه کتاب جيدٌ جدًا في موضوع حقيقة الإنسان وحقيقة النفس الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت