فهذه الأمة يقع فيها الشرك، مثل ما وقع في الأمم السابقة، وليست مُبَرَّءة من الشرك. بعض الناس يظنُّ أنّ مجرَّد الإنتساب لمحمد صلى الله عليه وسلم، هو المانع من أن يلحق بهذا المنتسب بعض الشرك أو الشرك الأكبر، وأنتم تعلمون أن أوَّل مصيبةٍ وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، هي حركة الردة العظميا عن الإسلام - أي عن كل الإسلام -، وبعضها ردة عن النبوة (عن توحيد الإتباع) ، وبعضها عن بعض شرائع الإسلام، وهكذا.
فالردة حصلت وما زالت الردة تقع، في كل زمان. والأنبياء قد انقطعوا، فلابدّ من التجديد. ولذلك التجديد هو إقامة مقام الأنبياء السابقين. المجددون يقومون مقام الأنبياء السابقين، مِن تجديد معالم الدين التي اندرست وانطسمت بفعل العوامل، عوامل كثيرة تؤدِّي إلى إندسار الدين وإنطماسه وإندراسه ..
الذي نريد أن نبين في هذا المقام:"ماهي معركة المجدين؟ وعلى ماذا كانت تدور حركة التجديد في كل عصر"؟
بعض الناس يظن أن حركة التجديد في أساسها، تقوم مثلًا لإحياء المسائل الفقهية، فيأتي المجدد إلى الفقه، مجددًا معالمه، حيث يقوم بدراسة الفقه دراسة جديدة على خلاف السابقين، فيظن أن هذا، هو التجديد، أو يظن أن التجديد، - كما يظن بعضهم - هو التجديد الروحي، الإحياء القلبي، بإنشاء الخلايا والزوايا والتكايا الصوفية. وبعضهم يظن التجديد؛ هو التجديد للأفكار، وهكذا .. ، لكن مادام قلنا أنَّ حركة التجديد في أمة محمد صلى الله عليه وسلم يتشابه حركة بعث النبوة في الأمم السابقة، فما هي دعوة الأنبياء في الأمم السابقين؟ هي دعوة التوحيد. إذن حركة التجديد في أمتنا، هي حركة إحياء التوحيد، هذه نقطة مهمةٌ، ولذلك جميع المجددين في أمة محمد صلى الله عليه وسلم كانت خصوماتهم مع أقوامهم وأزمانهم وحكوماتهم وشعوبهم وأعداءهم، هي خصومات على مدار التوحيد. لأن"الطاغوت"يتجدَّد في الناس، والتوحيد يندرس. والإنتساب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لابدّ أن يقَنِّن له الطاغوت - من قِبَلِ إبليس وجيشه - بصورة تُلائم بعض المتشابه في دين محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه نقطةٌ لابدّ أن نفهمها. وهي أنه لا يستطيع الرجل المنتسب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يعَلِّم الناس طاغوتًا، أو أن يفرِض لهم دينًا شركيًا جديدًا، إلا من خلال النص - المزعوم - أو من خلال فهمٍ منكوسٍ لبعض متشابهات الشريعة. لأنه لا يستطيع أن يقول لهم أكفروا، وتعالوا لنترك دين محمد صلى الله عليه وسلم، تعالوا نُدَمِّر الإسلام". ويوجَد بعض الطوائف المشركة كالقرامطة والإسماعيلية والباطنية وحركة الزندقة وهكذا .. بعض الفِرَق التي أرادت أن تُدَمِّر الإسلام وأن تَطْمِسه كليًا وتدعوا إلى نبوة جديدةٍ وألوهيةٍ جديدةٍ لغير الله سبحانه وتعالي، وعلى غير شريعة الإسلام. لكن هؤلاء أمرهم ظاهر ومكشوف للأمة، ولم تكن مشكلة طردهم وفضحهم وردهم، كبيرة، بالنسبة إلى العلماء، لأنهم أعلنوا أنهم بُرَءاءٌ من الإسلام، وأنهم يريدون أن يتبعوا دينًا غير دين الأسلام، ويتَّبعوا رسولًا غير رسول الإسلام .. ، فالمشكلة والطامة الكبيرة فيمن يأخذ النصوص والمتشابهات ويستخدمها في أمورٍ ككفر دون كفر و .. ، فكان دور العلماء المجددين في تاريخنا، هو إحياء التوحيد بمعالمه التي تَطْمِسُ وبنورها الذي يضيء ظلمات الشرك، التي أُحْيي من داخل النص المبارك، هذه هي حركة التجديد .."