فهرس الكتاب
مائة كتاب، أو ألفي كتاب، هل تصدِّقون أن كل هذه الكتب قد قرأها ابن حجر على الشيوخ؟ أبدًا، قرأ بعضها، ثم صار يقع في يده كتاب، فقرأه وينقل عنه - إذا تَوثَّق به وإذا ضُبِط أصله -. وهذا كثير، لو قرأتم كتاب"درء تعارض العقل والنقل"لابن تيمية، أو سائر كتبه، ترون أنه ينقل من كتاب فلان وفلان و .. النقولات الكثيرة، هذه النقولات كيف نقلها وعن أي طريق؟ طريق الوجادة، أي، أن الكتاب الفلاني اشتهر له بالضبط وتوثق به، ثم يأخذ منه وينقل الأقوال منه ..
ولذلك إذا أردنا أن نحتج أن طريق علومنا في الأصل في هذا الزمان هو الكتاب وليس الشيوخ - لأسباب عدة -، نحتج بـ"أولًا": النص، لدينا حجة النص، أن الطائفة المنصورة في هذا الزمان، علمها تتلقى عن طريق الصحف، عن طريق الورق! ..
ما دليلنا؟ دليلنا، دليل العلماء الذين ذكروه في كتبهم على جواز الوجادة، وهو الحديث الذي احتج به العلماء على جواز الوجادة طريقًا للتحمُّل ..
ما هو الحديث؟ هو حديث عمروبن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟"قالوا: الملائكة .. قال:"و ما لهم لايؤمنون وهم عند ربهم؟"قالوا: فالنبيون. قال:"و ما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟"قالوا: فنحن. قال:"وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟"قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أعجب الخلق إليَّ إيمانًا لَقوم يكونون بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها"- وفي رواية -"قوم يجيئون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني، أولئك إخواني". [1]
وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء بأنهم يأخذون علمهم من الصحف المُعَلَّقة أو من الورق المعلَّق، يأخذون دينهم وعلمهم من الورق المعلَّق، ولذلك عامة علوم الناس الآن من أين؟ من الورق المعلَّق، الآن يقرأون كتب الأوائل، كابن تيمية وابن حزم وغيرهم ..
إذن هذا النص لنا. فالنص داعي لنا بأن العلوم الصحيحة في هذا الزمان تؤخذ عن طريق الكتب لأن عامة الأذهان قد دخلها الفساد والدخن، فلا تأمن مِن أين ترجع إلى الأصل، فالعصمة في الورق المعلق، النصوص النبوية واستشهادات العلماء وغير ذلك.
ثانيًا: واقعنا يدل على انه لا يفلح الرجل في هذا الزمان، بعلمه حتّى يتحرر من إطار الشيوخ، أي شيوخ التقليد، لو رجل أراد أن لا يأخذ علمه إلا من شيوخ الأزهر، ماذا يخرج لنا؟
يخرج صوفيًا مقلدًا أشعريًا، ليس له إلا هذه الصفات الثلاثة، لو أراد الرجل أن يخرج من الزيتونة، رجل لا يريد إلا أن يخرج من شيوخ الزيتونه ..
قد يأتينى رجل الآن ويقول: يأخذ من علماء السعودية. أقول له ما هو الفارق؟ إذا كانت القضية، قضية الهند وشيوخ السعودية؟ بالنسبة لي كجاهل، جاهل مقلد، ماهو الفارق؟ لا
(1) رواه أبويعلي والطبراني والبراز والحاکم والبيهقي في (الدلائل) وغيرهم وهو حديث حسن وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (3215) .