فهرس الكتاب
يُبطل شرط العمد؛ أي أن يفعل المكلف الكفر عامدًا له، لكن هذا أخطأ في القول. دليل ذلك -اعتبار الخطأ كمانع- قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} ، أيضًا دليله كمانع من التكفير حديث الرجل الذي أضل راحلته في الصحراء كما تعلمون الرواية ولما جاءته وعادت له مرة أخرى وكان قد يئس وآوى إلى شجرة ثم وضع خده على يده حتى يأتيه الموت، فإذا به يجد راحلته فوق رأسه فأخذها بخطامها ومن شدة الفرح قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) وصفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أخطأ من شدة الفرح) والحديث متفق عليه. إذًا الخطأ الذي يؤدي إلى سبق لسان مثل هذا الرجل الذي قال اللهم أنت عبدي يريد أن يشكر الله فأخطأ من شدة الفرح، وهذه كثيرة.
المانع الثاني من العوارض المكتسبة: الخطأ في التأويل، والتأول قلنا أنه الرجوع والمصير والتفسير، أما التعريف الشرعي للتأول: فهو وضع الدليل الشرعي في غير موضعه باجتهاد أو شبهة تنشأ عن عدم فهم دلالة النص، فيُقدم المكلف على فعل الكفر وهو لا يراه كفرًا محتجًا بدليل أخطأ في فهم معناه، مثل ما فعل قدامة بن مظعون ومثل ما فعل أيضًا ما فعل الصحابي حاطب، فينتفي بهذا الخطأ شرط العمد ويكون الخطأ في التأول مانعًا من تكفيره، فإذا أُقيمت عليه الحجة وبين له خطأه فأصر على فعله كفر. حينئذ يكفر، أول مرة بينا له خطأه وبينا له الشبهة وأزلناها له فإذا عاد وأصر فهذا الذي يكفر.
ولذلك في حديث قدامة بن مظعون لما استحل قدامة شرب الخمر هو استند إلى قول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [سورة المائدة: 93] ، احتج بهذه الآية على عمر لما أراد أن يقيم الحد عليه، فقال: لماذا تقيم عليّ الحد؟ الله يقول {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} يعني هو يحتج بسابقته ودينه وإيمانه السابق أنه ممكن يطعمها، فبين له عمر -رضي الله عنه- خطأه وأقام عليه الحد. ولذلك ابن تيمية كما في (الفتاوى) يقول:"أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يُستثنون من تحريم الخمر"، هو ظن أنه مستثنى، فهذا هو تأويله ومن هنا وقع خطؤه،"كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك كثيرة، فهم يستتابون وتُقام الحجة عليهم فإن أصروا كفروا حينئذ ولا يُحكم بكفرهم"