المرة الماضية استعرضت لكم أقوال العلماء الذين قالوا إن هذا خطأ تأويل وأن المانع من كفره هكذا، كابن حجر وغيره وكابن الجوزي، لا أريد أن أكرر، لكن حتى لا يظن أحد أننا لم نستند إلى أقوال العلماء، لا نحن ذكرنا كلام القاضي أبي يعلى وغيره فهذا كلام العلماء قديمًا، هذا كلام كبار علماء من الأمة قالوا هذا، وهؤلاء هم الذين استطاعوا أن يمحّصوا هذا المانع ويميزوه عن بقية الموانع الأخرى، ويستطيعوا أن يقولوا لماذا لم يكفر حاطب كشخص؟ لأن هناك مانع، هو أخطأ في التأول.
البند الخامس: لماذا لم يستتب الرسول -صلى الله عليه وسلم- حاطبًا ويبين له طالما كان حاطب متأولًا؟
إذا كان المتأول المخطئ يجب أن يُستتاب ويُبين له، كما حدث لقدامة بن مظعون، بيّن له واحتج عليه بالآيات ولكن بعد ذلك أقام عليه الحد. إذًا الاستتابة معناها في الأصل طلب التوبة ممن مثلًا حُكم بردته وكفره نعرض عليه التوبة، لكن العلماء يطلقونها أحيانًا قبل الحكم بالردة، يعني يبين له الحالة التي هو فيها. طيب الرسول -صلى الله عليه وسلم- لماذا لم يستتبه؟ الرسول تبين حال حاطب، قال له: (ما هذا يا حاطب) ؟ إذًا هذا هو الاستبيان، فأبدى حاطب عذره الذي اعتُبر مانعًا من تكفيره، أي التأويل. يقول لك هو هنا يجب نعرفه بخطئه وبالغلط والفحش الذي فعله، طيب الله -سبحانه وتعالى- ذكر فحش ما فعله في سورة الممتحنة فإن أول الآيات هذه توبيخ لحاطب ولفعله ولما اقترف {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ} إذًا هذه الأموال لن تنفع ولا الأرحام، لن تفيد.
إذًا الله -سبحانه وتعالى- تكفل بهذا البيان في تشنيع وتبشيع فعل حاطب في الآيات الأُوَل من سورة الممتحنة، ولذلك قال الله تعالى -وهل هناك أحسن وأفضل من هذا البيان؟ - {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} فهذا يدل على بشاعة فعل حاطب في هذا، وقوله تعالى: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} هذا بيان خطئه فيما اعتذر. حتى الذي اعتذر فيه بيّن اللهُ -سبحانه وتعالى- أنه خطأ؛ فالتعلل بالغرض الدنيوي الأولاد وغيره كل هذا ليس مسوغًا ولا مبررًا أن توالي