ولكن لو أن أحدًا أُكره على الكفر، وقالوا له اكفر بالله؛ اشتم ربنا، اشتم النبي، افعل أي شيء، فاختار القتل على أن يشتم؛ لأنه عنده رخصة يجوز له أن يستخدم الرخصة ويستجيب لهم، لكن أيهما أفضل؟ يأخذ بالرخصة وينجو أو يصبر ويُقتل؟ أجمع العلماء على أن من أُكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة. هذا الكلام نقله ابن حجر العسقلاني في (الفتح) .
لكن عندما نرى آراء العلماء وأقوالهم نلاحظ أن شيخ الإسلام ابن تيمية رجح قول الجمهور وهو قول الحنابلة أيضًا:"أن الإكراه يختلف باختلاف المكرَه عليه؛ فليس الإكراه المعتبر مثلًا في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، -الأشياء البسيطة هذه، واحد يهب أحدًا مالًا أو قطعة أرض وغيرها، فالإكراه هنا يختلف عن الإكراه في الكفر، فلا بد أن نميز بينهم-، فإن أحمد قد نص في غير موضع أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب وقيد ولا يكون الكلام إكراهًا"؛ يعني الإمام أحمد لا يعتبر الكلام إكراهًا، واحد يقول لك سأضربك وسأعذبك وسأفعل فيك يعتبر ذلك ليس إكراهًا، ولكن قلنا طبعًا هناك قيد إذا كان هذا الشخص معروفًا أنه سيضرب ويقتل ويعذب ومعروف عنه ذلك مثل أن يكون صاحب سلطان أو غيره.
وابن تيمية رجح قول الجمهور لأنه يقول: هو سبب نزول آية سورة النحل، فإن عمار بن ياسر -رضي الله عنه- لم يتكلم بالكفر حتى عذبه المشركون، وعلى المشهور فإن هذا هو سبب نزول قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [سورة النحل: 106] ؛ إذًا لا يُترخص في الكفر إلا من كان مكرهًا، أما أي شيء آخر فلا يُترخص في الكفر إطلاقًا. يجوز الترخص في الكفر في هذه الحالة بأن ينطق الكفر في حالة واحدة وهي حالة الإكراه. وكما في حديث عمار ابن ياسر -رضي الله عنه وعن أبيه وعن أمه-: (أخذ المشركون عمارًا فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: له كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال: فإن عادوا فعُد) . والحديث هذا مرسل لكن بعضهم صححه. وأشار الإمام البخاري في التلميح إلى حد الإكراه المرخص في الكفر وذلك في باب"من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر"، يعني الإمام البخاري يرى أن الإنسان له حالة وحيدة يمكن أن يترخص فيها ويتكلم كلمة الكفر وهي الإكراه بالضرب أو التعذيب وهكذا. واستند إلى قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-