الصفحة 142 من 200

ظاهرين فيظهرون لهم اللطف ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} ". يعني ابن جرير يقول أنه إذا كان الكفار غالبين فإنه يجوز في هذه الحالة أن تترخص بأن تظهر لهم اللطف في القول، لكن تخالفهم في الدين، وقلبك يضمر العداوة لهم. أما الذي يظهر الولاية لهم في دينهم والبراءة من المؤمنين فهذا لا يجوز وهذا مشرك، يعني الذي يواليهم في دينهم ويظهرهم على عورة المؤمنين حتى لو كانوا متغلبين فمن فعل هذا فهو مشرك فقد الله برئ الله منه، إلا أن يتقي تقاة فهو يظهر الولاية لهم بمعنى التلطف في أشياء ولا يظهر العداوة، لأنه لا يستطيع إظهار العداوة فهذه هي الحالة المسموح بها."

ويقول ابن جرير في تأويل {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} :"فالأغلب من معاني الكلام إلا أن تخافوا منهم مخافة فالتقية التي ذكر الله تعالى في هذه الآية إنما هي تقية من الكفار لا من غيرهم، ووجهه قتادة إلى أن تأويله: إلا أن تتقوا الله من أجل القرابة التي بينكم وبينهم تقاة"يعني هو يقول لأن بعض العلماء يقول: إلا أن تتقوا منهم أي القرابة، هو يقول لا، هذه الآية تتكلم عن الكفار، تقية من الكفار المتغلبين، لا تتكلم عن الذين من المسلمين.

الإمام القرطبي أيضًا سار على نفس النهج ونقل لنا قول الحسن البصري عندما قال:"التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ولا تقية في القتل". كما نقل عن الإمام عن الضحاك وغيره، قال:"وقيل إن المؤمن إذا كان قائمًا بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفًا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان، والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم"، لاحظوا هذه أقرب إلى الإكراه أيضًا، تلاحظون التشابه الكبير بينها وبين الإكراه، ولذلك أحيانًا بعض العلماء يستخدم كلمة"إلا أن تتقوا منهم تقاة"وهي معناها الإكراه في نفس الموضوع.

والشيخ الألوسي له كلام كبير جدًا في هذا الموضوع أيضًا عندما قال:"ومن الناس من استدل بهذه الآية -أي آية رقم 28 من سورة آل عمران- على أنه لا يجوز جعلهم عمالًا ولا استخدامهم في أمور الديوان وغيره، وكذا أدخلوا في الموالاة المنهي عنها السلام والتعظيم والدعاء بالكنية"يعني لا تقول له يا سيادة كذا، يا حضرة كذا، أو تقول له السلام عليكم، لكن هذا في غلبة المؤمنين، أما في غلبة الكفار فإنه يُرخص في هذه الحالة التلطف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت