الصفحة 159 من 200

العلماء تكلموا في هذا الكلام، وتكلم فيه ابن حزم في (المحلى) وتكلم فيه ابن أطفيش وهو من الإباضية في كتابه (شرح كتاب النيل وشفاء العليل) وتكلم أيضًا العلماء المالكية في (المدونة الكبرى) ، وتكلم بعض العلماء الآخرين في هذا الموضوع في حواشي الكتب قديمًا.

قالوا إنه يحرم على المسلم أن يقيم -حتى لو ولد في نفس الدار- وأنه يجب عليه أن يخرج متى استطاع إلى ذلك سبيلًا، واستدلوا بقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا، وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 97 - 100] ، واستدلوا بآيات كثيرة ومعظمها الآيات التي تكلمنا فيها من أدلة الولاء للمسلمين وتحريم الموالاة للكفار والبراء منهم، نفس الأدلة تقريبًا هي.

واستدلوا بأحاديث أيضًا من ضمنها: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار) . الحديث الأول صحيح والثاني صحيح أيضًا.

لكن جمهور العلماء من الأحناف والشافعية والحنابلة والزيدية وغيرهم -وموجود هذا في كتاب (المبسوط) للسرخسي، وفي (تبيين الحقائق) للزيلعي، وموجود في (كشف القناع) وغيرها-. قال هؤلاء العلماء جميعًا"بجواز المقام في بلاد الكفر إذا تمكن المسلم من إظهار شعائر دينه وتعلم ما يلزمه من الأحكام وأمن على نفسه وأهله الفتنة ولم يطلبه الإمام -أي الخليفة- انطلاقًا من أن الأصل في ذلك هو الحل، وأن الحظر لا يكون إلا لعارض من اضطهاد أو فتنة أو غير ذلك". ولكنهم في النهاية قالوا أنه يستحب الهجرة لتكثير سواد المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت