فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ؛ ففي هاتين الآيتين البيان الواضح أنه لا عذر لأحد في الموافقة على الكفر، خوفًا على الأموال والآباء والأبناء والأزواج والعشائر ونحو ذلك مما يعتذر به كثير من الناس. إذا كان لم يُرخَّص لأحد في مودتهم واتخاذهم أولياء بأنفسهم خوفًا منهم وإيثارًا لمرضاتهم فكيف بمن اتخذ الكفار الأباعد أولياء وأصحابًا؟! وأظهر لهم الموافقة على دينهم خوفًا على بعض هذه الأمور ومحبة لها؟! ومن العجب استحسانهم لذلك واستحلالهم له فجمعوا مع الردة استحلال الحرام". هذا كلام العلامة سليمان بن عبد الوهاب -رحمة الله عليه- في تعليقه على آية سورة المجادلة {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ} ."
عندنا أيضًا الآية الأخرى التي سنتناولها الآن وهي قوله تعالى في [سورة النساء/ 138 - 139] : {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} ؛ هذه الآية في منتهى الخطورة، يقشعِّر بدنك وأنت ترى هذا المفهوم والموالاة والمعاداة يتآكل ويُميع وأنت تسمع مثل هذه الآيات.
قال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره:" {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ؛ فمِن صفة المنافقين يقول الله تعالى لنبيه: يا محمد -صلى الله عليه وسلم- بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء، يعني أنصارًا وأخلاءً من دون المؤمنين -أي من غير المؤمنين-، {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ} ؟! يقول أيطلبون عندهم المنعة والقوة باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي؟! {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} ؛ فإن الذين اتخذوا من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم هم الأذلاء الأقلاء، فهلّا اتخذوا الأولياء من المؤمنين فيلتمسوا العزة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة، الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء، فيعزهم ويمنعهم". هذا كلام ابن جرير الطبري في تفسيره.
وكلمة العزة معناها في اللغة العربية الشدة، يُقال أرض عَزاز أي أرض صلبة شديدة، ولذلك يقول: عزَّ علي فراقك؛ يعني اشتد عليّ فراقك، أو عزّ علي ألمك، نقولها في كلامنا، ومعناها اشتد وقوي.