فصل: في الردّ على من حصر الكفر في الجحود
حصر بعضهم الكفر في الجحود زاعما أنّ السلف حصروه في ذلك كما جاء في المجلس الخامس من مجالس شرح كتاب السنة للحلبي حيث قال: الكفر هو الجحود وهو متفق عليه بين العلماء ومنهم إبن حزم قال أنّ الكفر هو صفة جحد، الثاني الإمام الذهبي قال في الذين أنكروا الصفات إنّما يكفر بعد علمه بحكمه ثمّ جحده له، الثالث عبد الرحمن السعدي قال: أنّ الكفر بأقسامه و أنواعه راجع إلى الجحود. إنتهى.
وقبل أن أتطرق إلى كلام الأئمة في تعريف الكفر وبيان أنّ الأئمة المذكورين لم يعنوا ما أراده الناقل عنهم.
نجيب على هذا السؤال: هل الكفر منحصر في الجحود؟
فالمرجئة لمّا أقرّوا أنّ العمل ليس داخلا في مسمّى الإيمان إلتزموا أنّ ترك العمل بالكلّية ليس كفرا، و أنّ من ناقض الإلتزام الظاهر بمجرد العمل لا يكون كافرا أيضا، بل لابدّ في الحالتين من إظهار ما يدلّ على كفره بالنطق الدّال على الإستحلال و التكذيب، و أنّ مجرّد الردّ بالعمل سواء كان ذلك بالترك أو بالفعل لا يكون كفرا لذاته مطلقا.
قال الإمام إبن القيّم يحكي مذهب الإرجاء:
و كذلك الإرجاء حين تقرّ ... بالمعبود تصبح كامل الإيمان ...
فارم المصاحف في الحشوش و خرّب ... البيت العتيق و جدّ في العصيان ...
و اقتل إذا ما إستطعت كلّ موحّد ... و تمسّحن بالقس و الصلبان ...
و اشتم جميع المرسلين و من أتوا ... من عنده جهرا بلا كتمان ...
و إذا رأيت حجارة فاسجد لها ... بل خر للأصنام و الأوثان ...
و أقرّ أنّ الله جلّ جلاله ... هو وحده الباري لذي الأكوان ...
و أقرّ أنّ رسوله حقا أتى ... من عنده بالوحي و القرآن ...
فتكون حقا مؤمنا و جميع ذا ... وزر عليك و ليس بالكفران ...
هذا هو الإرجاء عند غلاتهم ... من كلّ جهميّ أخي الشيطان
فالإمام وصف المرجئة و بيّن أنّ ما وصفهم به هو من الغلوّ في الإرجاء و هذا الوصف مطابق لمذهب مرجئة العصر حيث قرّروا كما بيّن الإمام أنّه ما دام العبد يقرّ بأنّ الله هو فاطر الكائنات و أنّ محمدا رسول الله الّذي أرسله بالوحي فإنّ كلّ ما يفعله من الذنوب و المعاصي مهما كانت هي مجرّد