ذنوب لا توقع صاحبها في الكفر ما لم يصحب ذلك جحود و تكذيب، هذا هو الإرجاء عند غلاة المرجئة الجهمية إخوان الشيطان كما ذكره الإمام إبن القيّم.
و قال [1] إبن حزم:"إنّ الذين إرتدوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى الشيطان سوّل لهم و أملى لهم"محمد {25} ، فجعلهم مرتدين كفارا بعد علمهم بالحق وبعد أن تبيّن لهم الهدى، بقولهم للكفار ما قالو فقط، وأخبر تعالى أنّه يعرف أسرارهم، ولم يقل تعالى أنّهم جحدوا، بل قد صح في سرهم التصديق، لأنّ الهدى قد تبيّن لهم، ومن تبيّن له شيء فلا يمكن ألبتة أن يجحده بقلبه أصلا إنتهى.
وهذا كلام واضح من الإمام إبن حزم أن الكفر غير منحصر في الجحود القلبي
فما معنى الجحود عند السلف؟.
مراد الجحود عند السلف ليس هو مثل مراد الخلف له، فالخلف يريدون من إطلاق لفظة الجحود هو الكفر القلبي.
أمّا السلف فيريدون من الجحود معناه اللغوي وهو الإمتناع من أداء الواجب
قال [2] إبن المنظور: الجحود نقيض الإقرار، فهو الإنكار مع العلم.
و يتضح ذلك في قتال أبي أبكر الصديق لمانعي الزكاة قال شيخ الإسلام إبن تيمية: والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها، هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر رضي الله عنه: والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم على منعها، فجعل المبيح للقتال مجرد منع لا جحد الوجوب. إنتهى.
ومثله قال أبو عبيد القاسم بن السلام: والمصدق لهذا: جهاد أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالمهاجرين والأنصار على منع الزكاة كجهاد رسول الله أهل الشرك سواء لا فرق بينهما في سفك الدماء، وسبي النساء، وإغتنام المال، فإنّما كانوا مانعين لها غير جاحدين. إنتهى.
فكفرهم كان من قبيل كفر الإباء.
أنقل كلام شيخ الإسلام حيث بيّن هذه المسألة أحسن بيان و لأهميّة هذه الكلمة أنقلها بطولها، قال [3] رحمه الله تعالى: أنّ الإيمان و إن كان يتضمّن التصديق فليس هو مجرّد التصديق و إنّما هو الإقرار
(1) - الفصل في الملل والخل {3/ 262} . ثمّ قارن كلام إبن حزم هذا مع ما نقله عنه ذاك الحلبي، و سيأتي مزيد بيان تدليسه إن شاء الله.
(2) - لسان العرب {2/ 182}
(3) - الصارم المسلول (331 - 332)