الصفحة 56 من 101

و الطمأنينة، و ذلك لأنّ التصديق إنّما يعرض للخبر فقط فأمّا الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر، و كلام الله خبر و أمر، فالخبر يستوجب تصديق المخبر، و الأمر يستوجب الإنقياد له و الإستسلام، و هو عَلم في القلب جماعه الخضوع و الإنقياد للأمر، و إن لم يفعل المأمور به، فإن قوبل الخبر بالتصديق، و الأمر بالإنقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب و هو الطمأنينة و الإقرار، فإنّ إشتقاقه من الأمن الّذي هو الإقرار و الطمأنينة، و ذلك إنّما يحصل إذا إستقرّ في القلب التصديق و الإنقياد، و إذا كان كذلك فالسبّ إهانة و إستخفاف، و الإنقياد للأمر إكرام و إعزاز، و محال أن يهين القلب من كان قد إنقاد له و خضع و إستسلم أو يستخفّ به، فإذا حصل في القلب إستخفاف و إستهانة إمتنع أن يكون فيه إنقياد أو إستسلام فلا يكون فيه إيمان، و هذا هو بعينه كفر إبليس، فإنّه سمع أمر الله له فلم يكذّب رسولا و لكن لم ينقد للأمر و لم يخضع له، و إستكبر عن الطاعة فصار كافرا، و هذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف، تخيّل لهم أنّ الإيمان ليس في الأصل إلاّ التصديق، ثمّ يرون مثل إبليس و فرعون ممّن لم يصدر منهم تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب، و كفره من أغلظ الكفر فيتحيّرون، و لو أنّهم هُدوا لما هُدي إليه السّلف الصّالح لعلموا أنّ الإيمان قول و عمل، أعني في الأصل قولا في القلب و عملا في القلب، فإنّ الإيمان بحسب كلام الله و رسالته، و كلام الله و رسالته يتضمّن أخباره و أوامره فيصدق القلب أخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدَّق به، و التصديق هو من نوع العلم و القول، و ينقاد لأمره و يستسلم، و هذا الإنقياد و الإستسلام هو نوع من الإرادة و العمل، و لا يكون مؤمنا إلاّ بمجموع الأمرين، فمتى ترك الإنقياد كان مستكبرا فصار من الكافرين و إن كان مصدّقا، فالكفر أعمّ من التكذيب، يكون تكذيبا و جهلا، و يكون إستكبارا و ظلما، و لهذا لم يوصف إبليس إلاّ بالكفر و الإستكبار دون التكذيب، و لهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود و نحوهم من جنس كفر إبليس، و كان كفر من يجهل مثل النّصارى و نحوهم ضلالا و هو الجهل، ألا ترى أنّ نفرا من اليهود جاؤوا إلى النبيّ عليه الصّلاة و السّلام و سألوه عن أشياء فأخبرهم، فقالوا نشهد أنّك نبيّ و لم يتّبعوه، و كذلك هرقل و غيره، فلم ينفعهم هذا العلم و هذا التصديق؟، ألا ترى أنّ من صدّق الرّسول بأنّ ما جاء به هو رسالة الله و قد تضمّنت خبرا و أمرا فإنّه يحتاج إلى مقام ثان، و هو تصديقه خبر الله و إنقياده لأمر الله، فإذا قال:"أشهد أن لا إله إلاّ الله"فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره و الإنقياد لأمره، فإذا قال:"و أشهد أنّ محمدا رسول الله"تضمّنت تصديق الرّسول فيما جاء به من عند الله، فبمجموع هاتين الشهادتين يتمّ الإقرار، فلمّا كان التصديق لابدّ منه في كلا الشهادتين - و هو الّذي يتلقّى الرّسالة بالقبول - ظنّ من ظنّ أنّه أصل لجميع الإيمان، و غفل عن أنّ الأصل الآخر لابدّ منه و هو الإنقياد، و إلاّ فقد يصدّق الرسول ظاهرا و باطنا ثمّ يمتنع من الإنقياد للأمر، إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله تعالى كإبليس، و هذا ممّا يبيّن لك أنّ الإستهزاء بالله و رسوله ينافي الإنقياد له و الطاعة منافاة ذاتية، و ينافي التصديق بطريق الإستلزام، لأنّه ينافي موجب التصديق و مقتضاه و يمنعه من حصول ثمرته و مقصدوه، لكن الإيمان بالرسول إنّما يعود أصله إلى التصديق فقط لأنّه مبلّغ لخبر الله و امره لكن يستلزم الإنقياد له، لأنّه قد بلّغ عن الله أنّه أمر بطاعته، فصار الإنقياد له من تصديقه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت