الحالة الثانية: أنْ لا يكون معتقدًا بذلك بقلبه ولم يُكره على ذلك، ولكن فعله من أجل طمع الدُّنيا أو مداراة الناس وموافقتهم، فهذا كافر بنصّ الآية:"ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ"وكذلك في فعل الكفر والشِّرك موافقة أهله وهو لا يحبُّه ولا يعتقدُه بقلبه وإنَّما فعله شحًّا ببلده أو ماله أو عشيرته.
الحالة الثالثة: أنْ يفعل ذلك مازحًا ولاعبًا كما حصل من النَّفر المذكورين (يقصد قوله تعالى:"قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً") .
الحالة الرابعة: أنْ يقول ذلك مُكْرهًا لا مختارًا وقلبه مطمئنٌ بالإيمان فهذا مرخَّصٌ له في ذلك دفعًا للإكراه، وأمَّا الأحوال الثلاثة الماضية فإنَّ صاحبها يكفر كما صرَّحت به الآيات، وفي هذا ردٌ على من يقول إنَّ الإنسان لا يُحْكَم عليه بالكفر ولو قال كلمة الكفر أو فعل أفعال الكفر حتى يُعلَم ما في قلبه، وهذا قولٌ باطلٌ مخالفٌ للنصوص. إنتهى
فقد يكفر المرء بقولة يقولها كالإستهزاء، أو فعل يفعله كسجوده ودعائه الموتى، أو شك، أو إعتقاد.
قال [1] الإمام إبن حزم: وأمَّا قولهم [2] إِنَّ شَتْمَ الله تعالى ليس كفرًا وكذلك شَتْمَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فهو دعوى، لأنّ الله تعالى قال:"يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ" [3] . فنصَّ تعالى على أَنَّ مِن الكلام ما هو كفرٌ. وقال تعالى:"إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ" [4] . فنصَّ تعالى أَنَّ من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفرٌ بعينِه مسموعٌ.
وقال:"قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً" [5] . فنصَّ تعالى على أَنَّ الإستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسولٍ من رسله كفرٌ مخرجٌ عن الإيمان ولم يقل تعالى في ذلك إِنِّي علمت أَنَّ في قلوبكم كفرًا، بل جعلهم كفارًا بنفس الإستهزاء. ومن ادَّعى غير هذا فقد قوَّل الله تعالى ما لم يقُلْ وكذب على الله تعالى. إنتهى.
(1) - الفصل في الملل والأهواء والنحل" (3/ 244 - 245) ."
(2) - يعني الجهميَّة والمرجئة.
(3) - سورة التوبة: 74.
(4) - سورة النساء: 140.
(5) - سورة التوبة:65 - 66.