وهم يظنون أنّهم على هدى و حق وأنّ الصواب ما أتوه وركبوه وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أنّ الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة إعتقدها إلاّ أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادا منه لربّه لأنّ ذلك لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الّذي ضل وهو يحسب أنّه هاد وفريق الهدى فرق وقد فرق الله بيّن أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية. اهـ
و قال [1] العلاّمة إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ: فإذا كان المعيّن يكفر إذا قامت عليه الحجة فمن المعلوم أنّ قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر الصديق بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا عن ما يعذر [2] به فهو كافر كما كان الكفار كلّهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله تعالى:"إنّا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه" [3] وقوله:"إن شرّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون"إنتهى
ومن أدّلة على ذلك قوله تعالى:"مثل الذين كفروا كمثل الّذي ينعق بما لا يسمع إلّا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون"روى إبن جرير عن إبن عباس في تفسير هذه الآية: مثل الدابة تنادي فتسمع ولا تعقل ما يقال لها كذلك الكافر يسمع الصوت ولا يعقل، وجاء نحوه عن قتادة و ابن جريج والسدي.
3 -أمّا النوع الثالث: فهم الحجّة و يُقصد بها إزالة الشبهة، قال [4] العلاّمة أبو بطين: إنّ قول الشيخ تقي الدين: إنّ التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة يدل من كلامه على أنّ هذين الأمرين وهما التكفير والقتل ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقا بل على بلوغها، ففهمها شيء وبلوغها شيء آخر، فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة لم نكفر ونقتل إلاّ من علمنا أنّه معاند خاصة، وهذا بيّن البطلان بل آخر كلامه رحمه الله يدل على أنّه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة كالجهل ببعض الصفات [5] ، وأمّا الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح رحمه الله في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الإستتابة ولم
(1) - رسالة حكم تكفير المعين، ص: 24
(2) - كالجنون وعدم البلوغ أو عدم القدرة على البحث أو كان ممن لا يفهم مدلول الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له وهو المراد بقول ابن القيم (ومقلد لم يتمكن من العلم) .وبقول الشيخ عبد اللطيف: (إذا تمكنوا من طلب العلم ومعرفته وتأهلوا لذلك)
(3) - سورة الكهف آية رقم (57)
(4) - الدرر (10/ 360، 375)
(5) - فإشترط في قيام الحجّة في المسائل الخفيّة، فهم الحجّة و المقصود بفهمها هو إزالة الشبهة عنه، فإذا عاند كفر و هذا يُعلم بحسب الحال.