أحدها أنّ الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدًا إلاّ بعد قيام الحجة عليه كما قال تعالى:"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا" [1] ، وقال تعالى:"رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" [2] .
-وذكر آيات ثمّ قال:- وقال تعالى:"وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين" [3] ، والظالم من عرف ما جاء به الرسول أو تمكّن من معرفته ثمّ خالفه وأعرض عنه، وأمّا من لم يعرف ما جاء به الرسول أصلًا ولا تمكّن من معرفته بوجه وعجز عن ذلك فكيف يقال أنّه ظالم.
الأصل الثاني: أنّ العذاب يستحق بسببين أحدهما الإعراض عن الحجة وعدم إرادته لها ولموجبها.
الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها.
فالأوّل كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأمّا كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الّذي نفى الله التعذيب عليه حتّى تقوم حجته بالرسل [4] .
الأصل الثالث: أنّ قيام الحجة يختلف بإختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان وفي بقعة وناحية دون أخرى كما أنّها تقوم على شخص دون آخر، إمّا لعدم عقله وتميزه كالصغير والمجنون، وإمّا لعدم فهمه كالّذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له فهذا بمنزلة الأصم [5] الذي لا يسمع شيئًا ولا يتمكن من الفهم وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة. إنتهى
يتضح ممّا تقدم أنّ مراد الأئمة في إشترط قيام الحجة والعذر بالجهل إنّما هو في لحوق العذاب وإنزال العقوبة، وأمّا الإسم فلا يشترطون فيه قيام الحجة في المسائل الظاهرة بخلاف المسائل الخفية الّتي يشترط فيها قيام الحجة على كلّ حال.
(1) - سورة الإسراء آية رقم (15)
(2) - سورة النساء آية رقم (165)
(3) - سورة الزخرف آية رقم (76)
(4) - أو بمن يقومون مقامهم.
(5) - قال الشيخ علي الخضير: وأما إذا تمكن من الفهم بالإشارة فعلم ما تدل عليه من الأمر والنهي والوعد والوعيد كان مكلفا وحكمه حكم الناطق السميع وقد وجد في هذه الأزمنة من يفهم بالإشارة ويتعلم القراءة والكتابة وقد رأينا ذلك عيانًا فهم يحضرون المحاضرات والدروس وتترجم لهم بالإشارات المتعارف عليها بينهم بل منهم من يبكي إذا ترجمت له المواعظ ويتأثر تأثرًا شديدًا.