ذكر أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشيخان عبد الله وحسين في بعض أجوبتهم [1] : أنّ من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة فالذي يحكم عليه أنّه إذا كان معروفا بفعل الشرك ويدين به ومات على ذلك فهذا ظاهره أنّه مات على كفر، فلا يدعى له ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه، وأمّا حقيقة أمره فإلى الله تعالى فإن قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر في الظاهر و الباطن، وإن لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى. إنتهى.
فلا يلزم من تسمية من وقع في الشرك مشركا إنزال العقوبة به في الدنيا والآخرة لأنّ هذا لا يكون إلاّ بعد قيام الحجّة وإن قام مقتضاها ووجد سببها.
قال الإمام إبن القيم في قوله تعالى:"ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم"
قال: فأخبر تعالى بأنّ ما قدمت أيديهم سببا لإصابة المصيبة إيّاهم وأنّه سبحانه أرسل رسوله وأنزل كتابه لئلا يقولوا:"ربّنا لولا أرسلت رسولا فنتبع آياتك"فدلّت الآية على بطلان قول الطائفتين جميعا الّذين يقولون: أنّ أعمالهم قبل البعثة ليست قبيحة لذاتها بل إنّما تقبحت بالنهي فقط، والّذين يقولون: إنّها قبيحة ويستحقون عليها العقوبة عقلا بدون البعثة، فنظمت الآية بطلان قول الطائفتين ودلّت على القول الوسط الّذي نصرناه، أنّها قبيحة في نفسها ولا يستحقون العقاب إلّا بعد إقامة الحجة بالرّسالة. إنتهى
وقال [2] شيخ الإسلام: قوله تعالى:"إذهب إلى فرعون إنّه طغى"، وقال تعالى:"إذ نادى ربّك موسى أن إئت القوم الظالمين"، وقوله تعالى:"إنّ فرعون على في الأرض - إلى قوله -"إنّه كان من المفسدين"، فأخبر أنّه ظالما وطاغيا ومفسدا هو و قومه، وهذه الأسماء ذم الأفعال، والذمّ إنّما يكون في الأفعال السيئة القبيحة فدلّ ذلك على أنّ الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الرّسول إليهم، لا يستحقون العقوبة إلاّ بعد إتيان الرسول إليهم لقوله تعالى:"وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولا".إنتهى"
قال [3] الإمام إبن القيّم: والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله ولا يعذب إلاّ من قامت عليه حجته بالرسل فهذا مقطوع به في جملة الخلق وأمّا كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا فذلك ممّا لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كلّ من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر وأنّ الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدًا إلاّ بعد قيام الحجة عليه بالرسول هذا في الجملة والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأمّا في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة وهو مبني على .. أصول:
(1) - الدرر {10/ 142}
(2) - المجموع {20/ 37}
(3) - طريق الهجرتين، ص: 392 - 393