فصل: في ماذا يُشترط قيام الحجة؟
هل قيام الحجة شرط في تسمية من وقع في الكفر أنّه كافر، أم هو شرط في إنزال الأحكام المترتبة على تكفير المعين؟
جاء في الفتوى اللجنة الدائمة [1] :
كل من آمن بالله و برسالة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم و سائر ما جاء به في الشريعة، إذا سجد بعد ذلك لغير الله من وليّ، و صاحب قبر، أو شيخ طريق يعتبر كافرا مرتدا عن الإسلام مشركا مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله، ويمهّل ثلاثة أيام إعذارا إليه ليراجع نفسه عسى أن يتوب، فإن أصرّ على سجوده لغير الله بعد البيان قتل لردّته، فالبيان و إقامة الحجة للإعذار إليه قبل إنزال العقوبة، لا ليسمّى كافرا بما حدث منه من سجوده لغير الله مثلا. إنتهى
"فتبيّن أنّ من فعل الشرك يسمّى مشركا لأنّه أحدث منه ذلك فلا يمكنه نفيه عنه بحال، ولا يقتضي ذلك عقابه لأنّ الشرك والكفر هي أسماء ذم الأفعال، إذًا لا تلازم بينها وبين العقاب عليها وإن قام المقتضي لذلك و وجد سببه لوجود المانع وهو عدم قيام الحجة وبلوغ الرّسالة التي تكون المؤاخذة بعدها [2] ، فرق بين الكفر الغير المعذب عليه الذي قبل قيام الحجة و الكفر المعذب عليه بعدها، وهذا أصل عظيم يجب التفطن له والإعتناء به" [3]
(1) - بواسطة كتاب نواقض الإيمان {68} .
(2) - فإقامة الحجّة قبل العقاب لازم إلاّ لمحارب أو في حالة الممانعة كما حصل لمانعي الزكاة في خلافة أبي بكر الصدّيق قاتلهم بغير إقامة الحجّة، قال شيخ الإسلام في المجموع (28/ 278 - 279) أثناء كلامه عن التتار قال: كلّ طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنّه يجب قتالها بإتفاق أئمّة المسلمين، و إن تكلّمت بالشهادتين، فإذا أقرّوا بالشهادتين و إمتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتّى يصلّوا، و إن إمتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتّى يؤدّوا الزكاة ... إنتهى
بل فصّل شيخ الإسلام بين الردّة المجرّدة الّتي يشترط فيها إقامة الحجّة قبل العقوبة، و بين الردّة المغلظة الّتي لا يشترط فيها إقامة الحجّة للعقوبة عليها كما في كتابه الصّارم المسلول مستدلاّ بقوله تعالى:"كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ"
(3) - التبيان للشيخ الخالدي، ص: 20