فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 433

قوة هائلة تنطلق في الأرض تبنى وتعمر في كل اتجاه، راضية مطمئنة، نشيطة وثابتة في ذات الوقت، كما كان ذلك الجيل الفذ الذى بدأ به تاريخ الإسلام: ينشر الدعوة في أرجاء الأرض بسرعة لا مثيل لها في التاريخ، ويقيم العدل الربانى في كل مكان، ويحارب الكفر والشرك والطواغيت فيسحقها وينتصر عليها، وينشئ حضارة فذة تجمع بين الروح والمادة، وتعمل للآخرة دون أن تنسى عمارة الأرض: (( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ) ) (القصص:77) 0

وتلك هى حصيلة التوحيد. حصيلة تجمع النفس البشرية عليها، ويمزقها 0

يصلى الإنسان - إذا صلى! - لإله. ويبيع ويشترى ويبتغى الرزق باسم إله آخر يحل له الربا ويحل له الغش والخداع بغية الربح. ويمكارس شهواته باسم إله ثالث يحل له العلاقات غير المشروعة ويزين له الخبائث. وقد يتوجه إلى بشر مثله أو إلى صنم من الأصنام فيطلب منه البركة أو يطلب منه أن يقربه إلى الله زلفى.. وهكذا تتشتت نفسه في محاولة استرضاء هذه الأرباب المتعددة التى كثيرًا ما يكون لكل منها مطالب تخالف مطالب الأخرى وتعارضها0

وفى النهاية يفقد نفسه بعد أن يفقد أمنه وطمأنينته: (( ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلما لرجل هل يستويان مثلًا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) ) (الزمر:29) 0

وأوضح مثال على ذلك تلك الجاهلية المعاصرة التى يمارسها الناس في أكثر أرجاء الأرض 0

ولقد كانت هذه الجاهلية تبهر الناس وتخدعهم بالتقدم العلمى والمادى الهائل الذى حصلته. ولكنها تكشفت - حتى لأصحابها - عن تمزق نفسى لا مثيل له في التاريخ، يتمثل في التزايد المستمر لحالات القلق والجنون والاضطراب العصبى والنفسى والانتحار والإغراق في المسكرات والمخدرات!

وأخيرًا تصايح الشباب هناك بأنه يحس بالضياع، ولا يجد لحياته معنى، ولا يجد نفسه في اتجاه يكسبها الاستقرار والطمأنينة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت