فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 433

وإذا عرف بعد ذلك كله أنها مخلوقة من النور كما روى مسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله (:(( خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم ) ). (أى من الطين) فإن عجبه لا يقف عند حد. فالنور كما يراه الإنسان في عالمه المحسوس أشعة تنطلق مستقيمة في الفضاء، أما أن يكون من هذا النور مخلوقات تتحرك وتتكلم، وتتشكل بأشكال شتى (64) ، وتقوم بأعمال معينة تكلفها، فأمر وراء إدراك الحس0

وحقيقة أن خلق الله آدم من قبضة من طين الأرض معجزة هائلة يقف الحس أمامها عاجزًا متحيرًا؛ لأن النقلة بعيدة بين قبضة الطين وبين هذا البشر ذى الحواس والإدراك والقصد والإرادة والقدرة على تعمير الأرض واستخدام طاقات الكون المسخرة له من عند الله 0

ولكن هذه النقلة على ضخامتها أيسر في حس الإنسان من خلق الملائكة من النور. فالطين على أى حال مادة مجسمة، وجسم الإنسان مادة مائلة للعيان. أما النور فإنه ليس مادة .. فكيف يكون مادة للخلق إلا أن تكون قدرة الخالق المبدع متجاوزة كل حد يستطيع العقل أن يصل إليه. فتبارك الله أحسن الخالقين0

وحين يأخذ الإنسان حظه من استشعار عظمة الله الخالق المبدع، فإن قلبه يأنس لهذه المخلوقات ترف حوله وتملأ جنبات الكون 0

وفرق كبير في حس الإنسان بين أن يكون هذا الكون من حوله خاويًا موحشًا وبين أن يكون عامرًا بمخلوقات حية، بينه وبينها اختلاف 0

فإذا كانت المخلوقات الحية في الأرض من نبات وحيوان - والحيوان على الأخص بما فيه من الإنسان من أوجه شبه وأوجه اختلاف - تؤنس الإنسان وتبهج قلبه، وتنفى عنه الشعور بالوحشة في سكناه لهذه الأرض، فيروح يتأملها ويتملاها، ويفرح كلما لقى واحدًا منها على مقربة منه0

إذا كان هذا يحدث بالنسبة لعالم الأرض المحدود المحسوس، فإنه حرى أن يحدث بالنسبة للكون الكبير، ما يقع منه في دائرة الحس وما يقع وراء الحس من آفاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت